محمد جواد مغنية
47
في ظلال نهج البلاغة
وبهذا نجد السر لقوله تعالى : * ( وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) * وتدركون ان لهذا الانسان العجيب خالقا أكمل وأعظم قال الفيلسوف الانكليزي « جون لوك » : صحيح ان اللَّه سبحانه لم يطبع حروفا في عقولنا نقرأها عن وجوده ، ولكنه أودع فينا إحساسا وإدراكا لا نحتاج معه إلى برهان أوضح على وجوده ما دمنا نحمل ذاتنا معنا ، وإذن نحن لا نستطيع أن نشكو من جهلنا بذلك ، وبالتالي فلا نحتاج لكي نعلم ونؤمن بوجود اللَّه إلى شيء أبعد من أنفسنا فإنها كافية وافية للدلالة على وجوده تعالى . ( معجونا بطينة الألوان المختلفة ، والأشياء المؤتلفة ، والأضداد المتعادية ، والاخلاط المتباينة من الحر والبرد ، والبلة والجمود ) . يشير الإمام ( ع ) بهذا إلى أن في طبيعة الانسان ومزاجه قوى عناصر ، منها ما ينسجم بعضها مع بعض كانسجام العلم مع الحلم ، والصدق مع الوفاء ، وكانسجام الجبن مع البخل ، والكذب مع الرياء . . ومنها ما يختلف بعضها مع الآخر ، كاختلاف الرضى والغضب ، والضحك والبكاء ، والحفظ والنسيان ، وغير ذلك . . وكلها لخير الانسان وصالحه ، وبقائه واستمراره ، ولو نقصت منه صفة واحدة لاختل توازن الانسان ، ولم ينتفع بشيء . . ونضرب لذلك مثلا واحدا : لولا النسيان لتراكمت الهموم على الانسان ، ولم يستمتع بشيء ، ولا نتهت حياته في أمد قصير . ولولا الحفظ لانسد باب العلم بشتى أنواعه ، بل ولم يهتد الانسان إلى أمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، وإذا خرج من بيته استحال ان يعود اليه . وهكذا سائر الصفات المتباعدة منها والمتقاربة . . وكلها تجري على نظام مشترك ، وقدر جامع ، وان دل هذا على شيء فإنما يدل على وحدة الخالق والمدبر الذي لا إله إلا هو : * ( قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) * - 3 الطلاق . ومما قرأت عن الانسان ما جاء في كتاب « مصباح الإنس » : ان في الانسان خاصية المعادن ، وهي الكون والفساد ، وخاصية النبات ، وهي النمو والغذاء ، وخاصية الحيوان ، وهي الحس والحركة ، وخاصية الانسان ، وهي الفكر والإدراك ، وخاصية الملائكة ، وهي الطاعة والحياة . فالانسان يتملق كالكلب والهر ، ويحتال كالعنكبوت ، ويتسلح كالقنفذ ،