محمد جواد مغنية
46
في ظلال نهج البلاغة
وهواء خفيف . ونقل عن فلاسفة اليونان انهم يفرقون بين العقل والروح والنفس ، فالعقل أرفع وأشرف من الروح ، وهي أشرف من النفس . وللروح في لغة القرآن معان ، منها الرحمة : * ( ولا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله ) * - 87 يوسف . ومنها جبريل : * ( نَزَلَ بِه الرُّوحُ الأَمِينُ ) * - 193 الشعراء . ومنها القرآن : * ( وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) * - 52 الشورى . والقاسم المشترك لمعنى الروح هو كل ما يحيا به الشيء ماديا ومعنويا . أما المراد بالروح التي نفخها سبحانه في آدم فهي الحياة . . حتى ولو كان للروح ألف معنى ومعنى ، لأن الحديث في كلام الإمام ( ع ) وفي قوله تعالى : * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي ) * - 29 الحجر مساق عن جسد آدم الذي بقي جمادا بلا روح لوقت معدود ، وأمد معلوم . . ومثلها تماما الروح التي نفخها سبحانه في مريم : * ( فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا ) * - 91 الأنبياء « أي انه تعالى خلق جنينا في رحم مريم بلا تلقيح » . حول الانسان : ( فتمثلت انسانا ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرف بها ، وجوارح يختدمها ، وأدوات يقلبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل ، والأذواق والمشام ، والألوان والأجناس ) . قيل : ان اللَّه سبحانه خلق الانسان كي تتجلى فيه قدرته وعظمته . ومعنى هذا انه تعالى أنشأ الانسان على أكمل وجه جسما وروحا بحيث لا شيء فوق كمال الانسان من هذه الجهة إلا خالق الانسان . وكفى شاهدا على هذه الحقيقة عظمة محمد ( ص ) سيد الكونين الذي قال : انما أنا بشر . . ان الانسان تماما كالكون في عظمته وأسراره ، كلما اكتشف منه سر خفيت منه أسرار . . ومن أجل هذا أطلق بعضهم على الكون اسم الانسان الكبير ، وعلى ابن آدم اسم الانسان الصغير أو الكون الصغير . . ولهذه التسمية وجه وجيه ، فحتى الآن - وعلى الرغم من تقدم العلوم التي رفعت الانسان إلى القمر - لم ينجح العلماء في التعرف على حقيقة الانسان ، وكل ما فيه من طاقات وأسرار . . وإذا كانت حقيقة كل شيء هي ما يحققه ذلك الشيء فقد حقق الانسان أعجب من العجب ، وما سوف يحققه في المستقبل القريب أو البعيد يفوق التصور ، ويستحيل التنبؤ به .