محمد جواد مغنية
456
في ظلال نهج البلاغة
المعنى : ( هو الذي اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته ، واتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته ) . ونلتمس تفسير هذه الرحمة والنقمة منه تعالى ، نلتمسه بهذا المثال : من البداهة ان الشمس وضياءها رحمة من اللَّه سبحانه ، وكذلك الهواء والغيث والخصب لما فيه من الفوائد والمنافع التي تشمل وتعم البرّ والفاجر ، والمؤمن والكافر ، ومعنى هذا ان اللَّه ، جلت حكمته ، يرحم في الدنيا أعداءه ، وهو كاره لهم وناقم عليهم ، وأيضا يرسل سبحانه الطوفان والعواصف والزلازل ، وهي غضب منه ونقمة لما فيها من شرور ومضار تعم كل من يصادفها صالحا كان أم طالحا ، وتجتاح كل ما يعترض طريقها ، سواء أكان قصرا لجبار أم كوخا لأيتام ، ومعنى هذا ان نقمته في الدنيا قد تنزل بالأولياء والأتقياء ، وهو محب لهم وراض عنهم . . والى هذا تومئ الآية 25 من سورة الأنفال : * ( واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) * . ومن طريف ما قرأت في هذا الباب قول لفيلسوف معاصر : ان المؤمن يشكر اللَّه على نعمة أنعمها عليه مع أن هذا الشكر وقاحة وأنانية ، إذ يعني بهذا الشكر ان اللَّه لا يحب المحرومين من هذه النعمة . ونحن مع هذا الفيلسوف إن كان الدافع للمؤمن هو اختصاصه بالنعمة ، وحرمان الآخرين منها . . وسمع رسول اللَّه ( ص ) رجلا يقول : اللهم ارحم محمدا وارحمني معه ، ولا ترحم أحدا غيرنا . فقال له : يا هذا ضيقت واسعا . ( قاهر من عازه ) . للَّه العزة وحده ، ولا شيء منها لمخلوق إلا بدين اللَّه وطاعته ، ومن انتحلها فهو من الأخسرين تماما كما خسر فرعون من قبل ، وهتلر من بعد ( ومدمر من شاقه ) خالفه ( ومذل من ناواه ) عاداه ( وغالب من عاداه ) عطف تفسير ( ومن توكل عليه كفاه ، ومن سأله أعطاه ) . والتوكل أن تعمل معتقدا ان وراءك قوة خفية تراك وتسمع نجواك ، وتقدر وتدبر كل ما يقع في الكون من دقيق الحوادث وجليلها ، أما سؤاله سبحانه فمفتاحه العمل وإلا ذهب السؤال والدعاء مع الريح ، فبالعمل يقاس النوال وإجابة السؤال منه ، عظمت كلمته ، لا بالدعوات والشعارات . . والشاهد المحسوس تأخر الشرقيين مع حرصهم على الشعارات دون العمل ، وتقدم الغربيين بسبب مصانعهم وحساباتهم ومعادلاتهم العلمية الدقيقة .