محمد جواد مغنية
454
في ظلال نهج البلاغة
وفي رأينا أن نفي الحجب هنا عنه سبحانه من باب السلب بانتفاء الموضوع تماما كقولنا : ليس للَّه ولد ، لأن معنى الحجاب نسبي يحتاج إلى اثنين : محتجب - بكسر الجيم - ومحتجب - بفتحها - فإذا انتفى هذا - كما هو الفرض - انتفى ذاك حتما وذاتا . ( ذلك مبتدع الخلق ووارثه ) . ذلك إشارة اليه تعالى حيث كان ولا كائن محجوب وغير محجوب . والبديع هو الذي لا شبيه له ولا نظير ، ومبتدع الشيء موجده من لا شيء ، وعلى غير مثال سابق . . وربما قال قائل : كيف وصف سبحانه نفسه بالوارث ، وهو المالك الأول والأصيل لكل شيء ، وما من أحد يملك الا ما ملَّكه ، وفي الآية 128 من سورة الأعراف : * ( قالَ مُوسى لِقَوْمِه اسْتَعِينُوا بِالله واصْبِرُوا إِنَّ ) * . والجواب واضح ، وهو ان المراد بالوارث هنا الحي الباقي بلا نهاية لبقائه . ( وإله الخلق ورازقه ) عن طريق الكدح والعمل : * ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقِه ) * - 15 الملك . و ( الشمس والقمر دائبان في مرضاته ) أي مستمران في تحقيق الفائدة منهما ، وثابتان على قوانين وخصائص لا تتغير ، ولولا هذا الاطراد والاستمرار في جميع الكائنات ما ثبت شيء في ميدان العلم ، وبكلمة أصح ما كان للعلم عين ولا أثر . . ونسأل : من أين جاءت هذه القوانين والخصائص ، من الطبيعة العمياء ، أو من الصدفة وإذا كنا نحن لا نفسر بالصدفة أفعالنا فكيف نفسر بها عظمة الكون ونظامه واذن فلا محيص عن الايمان بالقوة العليمة الحكيمة . ( يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ) بمرور الأيام والسنين كما قال الإمام في وصيته لولده الإمام الحسن : من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وان كان واقفا . ( قسم ارزاقهم ) على أساس ما بينه في كتابه : « فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه » . . أبدا لا صداقة للَّه مع الناس كي يحابي ويعطي جزافا واعتباطا ، وانما يتعامل معهم على وفق ما حدد وشرع ، وهو لا يحدد ويشرع شيئا منافيا لمقتضى نواميس الطبيعة ، كيف وواضع الشريعة هو خالق الطبيعة . ومن أجل هذا ربط سبحانه صلاح الناس ونجاحهم بإخضاع سلوكهم وأعمالهم لنواميس كونية وأسباب طبيعية ، فمن أهمل وعطَّل هذه الأسباب ، فآثر البطالة على العمل ،