محمد جواد مغنية
437
في ظلال نهج البلاغة
البدع والشبهات ، وهو غارق فيها إلى أذنيه ( فالصورة صورة إنسان ، والقلب قلب حيوان ) . الطبيعة البشرية واحدة في كل فرد ، والتفاوت بين الأفراد إنما هو نتيجة عوامل خارجة عن طبيعته ، وهي كثيرة : منها التربية والوراثة والجو الذي يعيش فيه ، والغذاء الذي يتغذى به ، واللباس الذي يلبسه ، والكلام الذي يسمعه أو يقرأه ، والشيء الذي يراه ويشاهده . . إلى غير ذلك . وإذن للإنسان طبيعة ذاتية أولية يشاركه فيها جميع الأفراد ، وتقبل كل ما يمر بها من الهيئات والصفات تماما « كالريح آخذة مما تمر بها : نتنا من النتن أو طيبا من الطيب » وله - أي للإنسان - طبيعة ثانية مكتبسة ، وبها يقاس لا بطبيعته الأولى . . فإن نشأ واعتاد على الكذب والخداع فهو شيطان في صورة إنسان ، وان نشأ جاهلا شرها فهو في واقعه حيوان ، وفي ظاهره إنسان . . وقال الملا صدرا في الأسفار : « إذا تمكنت الصفات المختلفة منه خرجت النفوس من القوة إلى الفعل - أي من طبيعة اللاخير واللاشر - وتتصور بصورة ملك أو شيطان أو بهيمة أو سبع » . ( لا يعرف باب الهدى فيتبعه ، ولا باب العمى فيصد عنه ) لأنه حيوان ( فذلك ميت الأحياء ) . هو ميت بطبيعته من حيث الانسانية ، وهو حي بطبيعته من حيث البهيمية ( فأين تذهبون - إلى - يتاه بكم ) . أتدبرون منصرفين عن دعوة الهدى والحق تائهين في ظلمات الضلال والهلاك ، وطريق النجاة بمرأى منكم واضحا كالشمس ثم بيّن هذا الطريق بقوله : ( وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم ) وهم عدل القرآن ، والوسيلة إلى الجنان بشهادة جدهم في حديث الثقلين ( وهم أزمة الحق ) يقودون اليه من والاهم ، واسترشد بهديهم ( واعلام الدين ) لأنهم خزنة علمه ، وحفظة عهده ( وألسنة الصدق ) بشهادة القرآن الذي طهرهم من الرجس بشتى أنواعه ( فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن ) . لتعظيم القرآن واحترامه منازل ومراتب ، منها أن نحفظ آياته ، ومنها أن نجيد تلاوته ، أو نفهم مراده ، وخير المراتب كلها أن نعرف أحكامه ، ونعمل بها ، وأيضا لتعظيم أهل البيت الذين هم ترجمان القرآن منازل ، منها أن نصلي عليهم أينما ذكروا ، ومنها أن نزور عتباتهم المقدسة ، وأن نفرح لفرحهم ، ونحزن لحزنهم ، وخير المنازل اطلاقا أن نعرف تعاليمهم ، ونلتزمها قولا وعملا .