محمد جواد مغنية
435
في ظلال نهج البلاغة
النص ، أم لم يثبت ، وبهذا قال الشافعي : وذهب مالك وأبو حنيفة إلى الثاني ، وان كل مجتهد مصيب في الظنيات . ( انظر كتاب اللمع لأبي إسحاق الشيرازي ص 71 طبعة 1939 ) . وفي رأينا أن كل مجتهد مصيب للحكم الإلهي المعين في الواقع ، أو للحكم المقرر الذي أوجبه سبحانه في حق المجتهد عندما يخطئ الحكم المعين ، فالطبيب - مثلا - قد يخطئ في تشخيص حالة من الحالات ، والمهندس قط يخطئ في عملية من العمليات ، والكيماوي قد يخطئ في تجربة من التجارب ، ومع هذا الخطأ هنا وهناك فإن كل واحد من هؤلاء وغيرهم من العلماء يلزمه حتما العمل برأيه ، ويلزمنا نحن أن نأخذ بقوله إن كان قد اجتهد وافرغ الوسع ، لأن الرفض ، وهذه هي الحال ، معناه رفض العلم من الأساس أيا كان نوعه . والخلاصة ان المجتهد فقيها كان أم طبيبا أم مهندسا أم عالما بالطبيعة - لا يقرر أحكامه على سبيل الواقع ، بل على ما أدى اليه بحثه واجتهاده ومع هذا فإن عليه أن يترتب آثار الواقع ، وإلا انسد باب العلم بشتى أنواعه . . ولا تفوتنا الإشارة - بهذه المناسبة - إلى أن العالم يتهم فهمه وأفكاره ، وانه كلما ازداد علما ازداد توقعا للخطأ ، وقبولا للنقد ، وعلى قدر ما يكون العلم أو الجهل - على الأصح - يكون الإصرار على الرأي والتهرب من النقد . ( مصباح ظلمات - إلى - فلوات ) . أي هو علم على الحق ، ومنار في الشرع ( يقول فيفهم ) أي لا يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، ولا يلوك لفظا غير واضح ومحدد المعنى في الافهام كما يفعل عباقرة الكلام ( ويسكت ) عما يحسن السكوت عنه ( فيسلم ) من الأخطاء والآثام ، وفي أقوال أهل البيت ( ع ) : « حق اللَّه على العباد أن يقولوا ما يعلمون ، ويقفوا عندما لا يعلمون . . وإذا سئل العالم عن شيء ، وهو لا يعلمه ، ان يقول : اللَّه أعلم ، وليس لغير العالم أن يقول ذلك ، بل يقول : لا أدري » . وقد يكون السر في ذلك ان كلمة لا أعلم تشعر بأن قائلها على شيء من العلم دون كلمة لا أدري . واللَّه العالم . ( قد أخلص للَّه ) في قصده وقوله وفعله ( فاستخلصه ) أي قربه وكرمه ( فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ) أي من حفظة الدين ، وخلفاء اللَّه في الأرض ، وخليفة اللَّه في أرضه هو الذي يخضع فكرا وسلوكا لأحكامه تعالى وتعاليمه التي