محمد جواد مغنية

398

في ظلال نهج البلاغة

( مع قرب الزيال ) الفراق ( وأزوف الانتقال ) عطف تفسير عن قرب الزيال ( وعلز القلق ) . أي ان القلق يجعله يرتعد ويضطرب ، يقال : بات فلان علزا أي قلقا مضطربا . ( وألم المضض ) . وهو ما يحسه الانسان من الحزن عند المصيبة ( وغصص الجرض ) . يبتلع ريقه على همّ وغمّ ( وتلفت الاستغاثة بنصرة الحفدة والأقرباء والأعزة والقرناء ) . إذا جاءت سكرة الموت بالحق نظر المحتضر إلى الأهل والأصحاب كأنه يطلب منهم النجدة ، ولكن « متطلبا في الماء جذوة نار » . ومن خطبة ثانية : فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ، ولا يسمع بسمعه ، يردد طرفه بالنظر في وجوههم يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم ( فهل دفعت الأقارب ، أو نفعت النواحب ) . أي الباكون . . كلا ، لا يدفع ولا ينفع إلا العمل الصالح . ( وقد غودر في محلة الأموات رهينا ، وفي ضيق المضجع وحيدا ) حبيسا في لحده إلى يوم يبعثون ( قد هتكت الهوام جلدته ) . أكلت الحشرات لحمه ، وامتصت دمه حتى صار عظاما وحطاما ( وأبلت النواهك جدته ) . النواهك النوائب ، والجدة ضد البلى أي صيّرته النوائب رثا باليا بعد أن كان ناميا قويا ( وعفت العواصف آثاره ، ومحا الحدثان معالمه ) . درست الرياح والأمطار ومرور الزمان قبره ودياره ، واسمه وأخباره ، ولم يبق من شيء يدل عليه ، ويومئ اليه من قريب أو بعيد ( وصارت الأجساد شحبة بعد بضتها ) . كان الجسم ممتلئا ناعما ، فأصبح هزيلا واهيا ( والعظام نخرة ) أي بالية ( بعد قوّتها ) أيام حياته وشبابه . ( والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها ) . الانسان روح وبدن ، والبدن بعد الموت للعفونات والحشرات ، أما الروح فلهول الحساب عن الأعمال وما حملت من الأثقال ( موقنة بغيب أنبائها ) . جمع نبأ ، وهو الخبر ، والمعنى ان اللَّه سبحانه يكشف للروح غدا عن جزاء ما عملت من خير أو شر : * ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ) * - 30 آل عمران . ( لا تستزاد من صالح عملها ) . أي لا تكلف الأرواح في الآخرة بأن تزيد من صالح الأعمال حيث لا شيء هناك إلا الحساب والجزاء ( ولا تستعتب من سيئ زللها ) . لا تتاح لها الفرصة لكي تتوب عن سيئاتها وتطلب الإقالة منها .