محمد جواد مغنية
397
في ظلال نهج البلاغة
هو قريب وبعيد ، وكل ما هو آني ومقبل فيما يختص به ويعود عليه بالنفع ( 1 ) . ونحن لا نشك في أن الأعضاء لا تدرك شيئا . . ولكن كل نظام متناسق ومستمر لا يمكن أن يحدث إلا عن قصد حكيم ، وكل قصد لا بد أن يهدف إلى غاية ، ويسمى هذا عند الفلاسفة « بقانون الغائية » . ومن البداهة ان الأعضاء وسيلة لا غاية . واذن فالعالم القاصد الحكيم هو الذي خلق الأعضاء وسوّاها ، وجعلها وسائل إلى مصلحة الانسان وأغراضه . ( وقدر لكم أعمارا سترها عنكم ) . لحياة الانسان أجل يسدد الحساب عند حلوله ، ولكن متى وأين يحل ويجب ذلك في علم اللَّه وحده : * ( وما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ الله كِتاباً مُؤَجَّلًا ) * - 145 آل عمران . ( وخلف لكم عبرا من آثار الماضين قبلكم ) . جعل سبحانه لكم من آثار الأولين تبصرة ومزدجرا عن معصيته ان كنتم تعقولن ، ثم أشار الإمام إلى بعض تلك الآثار بقوله : ( من مستمتع خلاقهم ، ومستفسح خناقهم ) . مستمتع بفتح التاء اسم مفعول ، ومثله مستفسح ، والمعنى ان اللَّه قد أفسح للماضين ، وأمدّ في حياتهم ، ولم يأخذ الموت بخناقهم حتى استوفوا نصيبهم من متع الحياة وزينتها . ( أرهقتهم المنايا دون الآمال ، وشذّبهم عنها تخرّم الآجال ) . لم يكتفوا بما نالوا من متع الحياة ، بل كانت لهم آمال طوال عراض ، ولكن الموت بدّد شملهم وأعجلهم قبل أن يبلغوا ما كانوا يطمحون اليه ، ولم يبق منهم إلا الآثار لتكون عبرة لمن اعتبر ( لم يمهدوا في سلامة الأبدان ) . أي لم يستعدوا ويتزودوا في دار الدنيا - وهم في تمام الصحة وكمال العافية - ليوم الآخرة ( ولم يعتبروا في أنف الأوان ) في أول زمانهم حيث كان في مقدورهم أن يعملوا لأنفسهم ما يجدونه ذخرا عند اللَّه . ( فهل ينظر أهل بضاضة الشباب إلا حواني الهرم ) . لا شيء بعد الشباب إلا المشيب ، ولا شيء مع المشيب إلا الهزال والأدواء والآلام والانحناء ( وأهل غضارة الصحة إلا نوازل السقم ) . قد يفاجئك المرض ، وأنت آنس ما تكون في صحتك ، ويداهمك الحزن والفزع ، وأنت في ساعة الأمن والسرور ( وأهل مدة البقاء إلا آونة الفناء ) . كل مدة في الدنيا إلى انتهاء ، وكل حي إلى فناء
--> ( 1 ) - كتاب كيف يحيا الانسان للفيلسوف الصيني « لين يوتانج » ص 61 طبعة سنة 1967 .