محمد جواد مغنية

379

في ظلال نهج البلاغة

الإعراب : ما أصف « ما » استفهام مبتدأ ، وجملة أصف خبر ، والباء في « بها » للسببية . وأبصر إليها أي نظر إليها كما يقال دخلت إلى البيت أي ولجت إلى البيت على حد تمثيل ابن أبي الحديد . المعنى : ( ما أصف من دار أولها عناء ) . تعب وآلام منذ اللحظة الأولى التي يولد فيها الانسان حتى النفس الأخير ( وآخرها فناء ) موت لا يرده جاه ولا مال ، ولا كفر ولا ايمان وبه تختم دنيا الأحياء ( في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ) . يسأل المرء غدا عن الحلال والحرام ، أما السؤال عن المال الحلال فعلى أي شيء أنفقه وأتلفه ، أما المال الحرام فيسأل من أين والى أين وفي الحديث : « يسأل العبد غدا عن عمره فيم أفناه وعن جسده فيم أبلاه وماله من أين اكتسبه وأين وضعه » وفي القرآن الكريم : * ( ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) * - 8 التكاثر . وقال أبو ذر : ان صاحب الدرهم يوم القيامة أخف حسابا من صاحب الدرهمين . واذن فما هي حال أصحاب الملايين التي يبذرونها على التضاهي والتباهي والفساد والضلال . ( ومن استغنى فيها فتن ) . أي من حاز شيئا من المال اغتر به وطغى ، قال تعالى : * ( كَلَّا إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآه ) * - 6 العلق . وقال الإمام : ان استغنى بطر وفتن ، وان افتقر قنط ووهن ( ومن افتقر فيها حزن ) . واذن فالدنيا شر على الفقير والغني إلا من آمن واتقى ، وتزود منها لآخرته ، واتخذها وسيلة إلى الظفر برضوان اللَّه . وخير الوسائل لهذه الغاية خدمة الناس ونصح الناس . قال بعض العارفين : لو قيل لي : خذ بيد خير أهل المسجد - أي المصلين العابدين - لقلت : دلوني على أنصحهم للناس . ( ومن ساعاها فاتته ) . أي من غالبها قد يملك شيئا منها ولكن تفوته أشياء وأشياء كثيرة . قال الشيخ محمد عبده معلقا على هذه الجملة : « كلما نال الانسان من الدنيا شيئا فتحت له أبواب الأمل فيها ، فلا يقضي مطلوبا واحدا حتى يهتف به ألف مطلوب » . وهذا ما أراده الإمام بقوله : منهومان لا يشبعان طالب علم ، وطالب دنيا ( ومن قعد عنها واتته ) . أي من لا يجعل الدنيا كل همه واهتمامه ،