محمد جواد مغنية
325
في ظلال نهج البلاغة
وأبقى ، ومن أقوال الإمام ( ع ) : الدنيا خلقت لغيرها ، ولم تخلق لنفسها ( ولم يترككم سدى ) بلا تكليف ونذير وبشير ( وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به ) لا محالة مهما طال عمره ، وبلغ نصيبه من الصحة والجاه والثراء ، وليس بعد الموت إلا الحساب ، والجزاء بالنعيم على عمل الخير ، أو الجحيم على فعل الشر . ( وان غاية تنقصها اللحظة ، وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة ) . المراد بالغاية هنا العمر ، وبالساعة الموت ، لأن الساعة من أسماء القيامة ، ومن مات فقد قامت قيامته ، والمعنى ان عمر الانسان أشبه بالحلم والخيال ينقص ويقصر مع الثواني واللحظات ، وما فات منه لا ترجى رجعته ، ثم يزول بالمرة ، ويهدم من الأساس بالموت ، وإذا كان العمر على هذه الحال فهو قصير الأمد مهما طال ، والعاقل يبادر الفرصة قبل فواتها ( وان غائبا يحدوه الجديدان : الليل والنهار لحري بسرعة الأوبة ) . المراد بالغائب هنا الموت ، وبالأوبة مجرد الإقدام والإقبال ، وليس المراد بها الرجوع الذي سبقه الحضور ، كي يقال : ان الموت لم يكن حاضرا من قبل كي يئوب ويرجع ، ومهما يكن فإن المعنى : ان الموت غائب عن الحي ، ولكنه قادم عليه بسرعة الليل والنهار اللذين لا يقفان لحظة فما دونها ، ومن أقوال الإمام : « فإن غدا من اليوم قريب ، ما أسرع الساعات في اليوم ، وأسرع الأيام في الشهر ، وأسرع الشهور في السنين » . ( وان قادما يقدم بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدة ) . المراد بالقادم هنا الموت ، وبالفوز النعيم ، وبالشقوة الجحيم ، وبالعدة الاستعداد بالخيرات والأعمال الصالحات ، والمعنى ان الموت قادم لا محالة ، وبسرعة ، ولا شيء بعده إلا الهناء أو الشقاء ، فأعدوا له عدته منذ الآن لأنه لا يمهلكم - إذا جاء - لحظة ، ولا يدعكم تنطقون بحرف ، أو تتنفسون بنفس . عمر الانسان حجة عليه . . فقرة 3 - 4 : فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا فاتّقى عبد ربّه . نصح نفسه . قدّم توبته ، وغلب شهوته ، فإنّ أجله مستور