محمد جواد مغنية
319
في ظلال نهج البلاغة
من شك ان الكل إلى الموت ، ولكن هذا تمتد به الحياة مئة عام أو تزيد ، وذاك يوما أو بعض يوم فما هو السر هل هو قوة أو ضعف في الجسم ، أو هو حظ ، أو قضاء وقدر . وهناك فلسفات أو تفلسفات كثيرة ، ولكن لا تركن النفس إليها ، لأن العقل والحس يشهدان ان صاحب الجسم السقيم قد تمتد به الحياة أكثر من السليم ، وان انسانا قد يموت بضربة ، ولا يموت آخر بعشر أمثالها . . وليس لنا في مثل هذه الحال إلا اللجوء إلى خالق الموت والحياة ، وهو يقول جل من قائل : * ( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ) * - 33 الأعراف . وفي معنى هذه الآية قول الإمام : ( ان عليّ من اللَّه جنة حصينة ) . وقوله : « كفى بالأجل حارسا » . ولكن اللَّه سبحانه ما بيّن سبب الأجل ، والناس يسندونه إلى ما يرون من قتل أو مرض أو تردّ أو غرق أو تقدم في السن ، وإذا لم يروا شيئا قالوا من اللَّه مباشرة ان كانوا مؤمنين ، وليس للعلم الحديث قول قاطع في الموت ، والذي لا شك فيه ان تقدم الطب قلَّل كثيرا من عدد الوفيات ، كما أن الفقر وسوء التغذية يزيد منها ، وأخيرا اكتشف الأطباء ان تلوث الهواء من تفجير القنابل الذرية ، ومن مداخن المصانع وما إليها يسبب للناس الموت والاختناق . كل ذلك تشمله آية « فإذا جاء أجلهم » بلا ريب ، ولكنه من صنع الانسان كما شاهدنا ، فأين الحارس . الجواب : إن وجود الحارس يمنع من وجود السبب الموجب للموت ووصوله إلى الحي ، ولا يمنع من تأثيره بعد وجوده ، كيف ووجود المسبب حتم وطبيعي عند وجود سببه التام ، فإذا تخلى الحارس عن الحي جاء السبب وأثر أثره ، ومن مات بالقتل أو الجوع أو المرض أو التلوث انما مات بعد أن تركه الحارس وتخلى عنه . وفي الآية 145 من سورة آل عمران : * ( وما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ الله ) * للحارس بأن يذهب وينصرف « وما أوتيتم من العلم إلا قليلا » .