محمد جواد مغنية

316

في ظلال نهج البلاغة

المعنى : قال قائل للإمام ( ع ) بعد وقعة النهروان : هلك الخوارج بأجمعهم يا أمير المؤمنين ، فقال له : ( كلا ، واللَّه انهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء ) . أي ان مذهب الخوارج سوف يجد أتباعا وأنصارا ، وان النساء سوف يلدن الكثير من أمثالهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية - على حد تعبير الحديث الشريف - ومع هذا يصومون ويصلَّون ويقرؤن القرآن ، ولكن لا تتجاوز كلماته تراقيهم ( كلما نجم منهم قرن قطع ) . لا يخرج منهم ثائر إلا قتل أو هزم ( حتى يكون آخرهم لصوصا سلَّابين ) . أي ينتهي الأمر بهم إلى اللصوصية وقطع الطرقات . ( لا تقاتلوا الخوارج بعدي ) من الذين لا يفسدون في الأرض ، وإلا وجب حكم اللَّه فيهم ، وهو قوله تعالى : * ( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله ورَسُولَه ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ) * - 33 المائدة . ( فليس من طلب الحق ) لوجه الحق لا لغاية شخصية ( فأخطأه ) لشبهة عرضت له ، وتمكنت من عقله ( كمن طلب الباطل ) وأقدم عليه مع علمه بأنه باطل ، فإن المشتبه يدرأ عنه الحد لقول الرسول الأعظم ( ص ) : الحدود تدرأ بالشبهات . أما هذا الذي طلب الباطل عامدا ( فأدركه ) ودافع عنه بالسيف ، وجيّش الجيوش لمحاربة الحق وأهله ، وابتدع في الدين ، وكذّب على سيد المرسلين . . أما هذا فلا عذر له ، كما فعل معاوية ، انه لم يكتف بإراقة الدماء ومحاربة امام الحق والعدل حتى سن سبه على المنابر ، فقد نقل ابن أبي الحديد عن الواقدي ان معاوية خطب في أهل الشام فقال : ان رسول اللَّه قال لي : انك ستلي الخلافة من بعدي ، فاختر الأرض المقدسة ، فإن فيها الإبدال ، وقد اخترتكم ، فالعنوا أبا تراب . فلعنوه . . وأيضا أغرى معاوية سمرة بن جندب بأربعمائة ألف درهم ، وروى مفتريا ان هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب : « ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد اللَّه على ما في قلبه وهو ألد الخصام . وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل » . وان اللَّه أنزل في ابن ملجم : « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللَّه » .