محمد جواد مغنية
291
في ظلال نهج البلاغة
حتى ولو كان أشح خلق اللَّه ، وعاش فقيرا معدما عن طيب قلب . . وان انسدت السبل في وجهه انتحر واستراح بالموت من ألمه ، كما حدث لكثيرين ، واذن فما بال من يؤمن بلقاء ربه وعقابه لا يفتدي نفسه بكل عزيز ، ويتقي هول جهنم وعذابها ، وأدنى شيء منه أشدّ وأقسى من آلام الدنيا مجتمعة ان أنعم الحياة الفانية لا تقاس باليسير اليسير من ثواب اللَّه ، ولا آلامها تقاس بالقليل الخفيف من عذابه . ما بال هذا المؤمن يحرص على دنياه مع علمه ويقينه بأنه يترك ما جمع للوارث والحوادث . هذا ، إلى أن اللَّه سبحانه كلف يسيرا ، وأعطى على القليل كثيرا ، وما أمر ان يخرج الانسان من جميع ما ملك وجمع : ثم يتكفف الناس ويصير عالة عليهم ، كلا بل أمره بالعمل لدنياه وآخرته ، وأن لا يبغي في الأرض فسادا ، فلا يغدر ولا يمكر ، ولا يظلم ولا يحتال ، وان يتعاون مع أي انسان يحتاج إلى عونه ، وخير عند اللَّه سبحانه من بذل الملايين ان تهيء للمحتاجين أعمالا تناسب كفاءاتهم حتى يشعروا بقيمتهم ولا يحسوا بأنهم عالة على أحد . وقد تنازل أفراد عن جميع ما يملكون في سبيل اللَّه فنهاهم النبي وزجرهم . . جاء اليه رجل بمثل البيضة من ذهب ، وقال له : يا رسول اللَّه خذها صدقة ، فو اللَّه لا أملك غيرها ، فأعرض النبي ( ص ) عنه ، ثم أتاه من بين يديه أعاد القول ، فقال له النبي ( ص ) : هاتها مغضبا ، فأخذها منه ثم حذفه بها ، وقال يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ، ويجلس يتكفف الناس ، انما الصدقة عن غنى ، خذها لا حاجة لنا فيها . ( وتاللَّه لو انماثت إلخ . . ) أي لو أن إنسانا عاش في عمر الدنيا من بدايتها إلى نهايتها ، وانقطع إلى اللَّه وحده ، وعبده حتى ذاب قلبه ذوبان الملح في الماء ، وسالت عيناه دماء لا دموعا ، وما أبقى لديه من جهد رغبة في ثواب اللَّه ، ورهبة من عقابه ، لو وجد هذا العابد ما كانت عبادته بكمّها وكيفها تعدل شيئا من نعم اللَّه وهدايته للإيمان . ونتساءل : من أي نوع هذا الاحساس بعظمة الخالق وافضاله وبأي شيء يحد وما هو أصله ومصدره أما أنا فالذي أتصوره ان إحساس علي بعظمة اللَّه لا حد له ، والسر واضح - فيما أعتقد - وهو انه إحساس طبق الأصل