محمد جواد مغنية

290

في ظلال نهج البلاغة

بقوله تعالى : * ( مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ) * - 77 النساء . وقوله : * ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ و ) * - 20 الحديد ( وقد أمرّ فيها ما كان حلوا ، وكدر منها ما كان صفوا ) . والمراد بالحلو الذي صار مرّا ، والصفو الذي صار كدرا - أيام الطفولة والشباب ، ولحظات النشوة والفرح وفي المنام كليلة عرس ، أو ساعة أنس مع صديق قديم ، أو محدث لبق حول الموقدة في ليلة عاصفة ، أو نظرة إلى انعكاس الأضواء على الماء ، أو إلى صورة ناطقة ، أو جنة ضاحكة ، أو متعة بقراءة كتاب يحدثك عن الأخطاء في تفكيرك أنت لا في تفكير أفلاطون وأرسطو . . إلى كثير من هذه الطيبات العابرات . . ولكنها لا توقظ إحساسنا بلذة الحياة حتى يصطدم بألف ألم وألم . ( فلم يبق منها إلا سملة كسملة الإداوة ، أو جرعة كجرعة المقلة ) . ومثله في الخطبة 42 لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ( لو تمززها الصديان لم ينقع ) . لو ارتشف الظمآن البقية الباقية من الماء لم يرتو ، وكذلك عمر الانسان وان طال وانتهب فيه جميع الملذات فما هو بشيء إلا إذا كان وسيلة للنجاة في يوم تشخص فيه الأبصار ، وتكشف فيه الأسرار ( فأزمعوا عباد اللَّه الرحيل عن هذه الدار المقدور على أهلها الزوال ) . أي اعزموا من الآن على السفر إلى الآخرة بزاد كاف واف ( ولا يغلبنكم فيها الأمل ) . فإنه يسهي العقل ، وينسي الآخرة ( ولا يطولن عليكم فيها الأمد ) . لأن كل آت قريب . . ومن حكم الإمام : « نفس المرء خطاه إلى أجله ، وكل معدود منقض » . وهذه الحكم وأمثالها ذائعة شائعة ، ولكنها لا تحرك النفس إلى شيء - في الغالب - سوى خلجة أو صورة تمرّ بالقلب أو الفكر ، ثم ينتهي كل شيء . . أجل ، وهي حجة ظاهرة لا تدع لمقصر من عذر . للمنبر - في البذل والشعور بالمطلق : ( فو اللَّه لو حننتم - إلى - عقابه ) . لو أن رجلا يملك آفاق الأرض والسماء ، وأصابه ألم لا يصبر عليه يلازمه في ليله ونهاره ، ولم يجد لتسكينه أو تخفيفه حيلة ، لو حدث هذا لسخت نفسه بكل ما يملك من أجل شفائه وخلاصه