محمد جواد مغنية
258
في ظلال نهج البلاغة
يجيب بهذا عن قول من قال : ان عليا لا يعرف السياسة ، ويتلخص جوابه بأنه يعرف الفرص والوسائل إلى بلوغ الملك والسلطان ، ولكنه لا ينتهزها على حساب دينه وضميره . وقال في مكان آخر من النهج : « واللَّه ما معاوية بأدهى مني ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس » . وقال أيضا : « أتأمروني ان أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه » . إن عليا لا يفهم من كلمة النصر والنجاح إلا مرضاة اللَّه ، والعمل بالحق والعدل ، وهو مستعد لأن يضحي بالنفس والملك وبكل عزيز ليبلغ هذه الغاية ، أما ألاعيب معاوية فهي شر ووبال . وقال جورج جرداق : « ان الذين قالوا : علي لا يعرف السياسة يريدون من علي أن يكون معاوية بن أبي سفيان ، ويأبى علي إلا أن يكون ابن أبي طالب » . وقال طه حسين : « حارب أبو سفيان النبي ( ص ) وأظهر في حربه قوة وقسوة وكيدا ومكرا ودهاء . . ثم أسلم حين لم ير من الاسلام بدا . . وورث معاوية عن أبيه قوته وقسوته ومكره وكيده ودهاءه ، ولم تكن أم معاوية بأقل من أبيه تنكرا للاسلام ، وأسلمت كرها كما أسلم زوجها كارها . . وكان الطامعون يجدون عند معاوية ما يريدون ، فضم اليه كل من كان له أرب في الدنيا . . وكان علي لا يدهن في الدين ، ويبغض المكر والكيد ، كان يرى الحق فيمضي اليه مصمما ، ويرى الباطل فيعرض عنه عازما . . وما رأيك في رجل جاءه أخوه عقيل مسترفدا فلم يجد عنده ما يريد . . وما رأيك في رجل آخر - أي معاوية يأتيه عقيل هذا نفسه ، فيعطيه من بيت المال مئة ألف » . وهذه الحادثة وحدها كافية وافية لتفسير الفرق بين سياسة الرحمن وسياسة الشيطان . وأخيرا قرأت للأستاذ الكبير أحمد عباس صالح كلمة في هذا الموضوع بمجلة الكاتب المصرية عدد نيسان سنة 1965 قال فيها : « قاد معاوية جيش الشام ، وهو الرجل الذي يمثل النقيض من علي تماما ، هو شخصية فريدة ، جمعت فيه كل خصائص الرجل الذي لا تشل حركته أية قيمة من القيم الدينية والانسانية ، انه ابن أبي سفيان الشهير ، وابن تلك المرأة التي مضغت كبد حمزة عم النبي حين سقط قتيلا . . ان في نفس معاوية إرادة الانتصار الشخصي والغلب . . ان فيه قسوة الاعصار ، وعبقرية القدر الغاشم . . انه قطب السلب المطلق الذي يصطرع في قلب الانسان كما يصطرع في قلب الكون ، والسلب في الكون يتجه إلى الشر ،