محمد جواد مغنية
241
في ظلال نهج البلاغة
الاعتراض والدفاع عن النفس والحوار والنقاش ، والإدلاء بكل ما لديه من حجج وما عنده من قرائن . هذا ملخص الفرق بين شريعة اللَّه وشريعة الغاب ، والأولى لعالم الانسان ، والثانية لعالم الحيوان ، ولكن في عالم التشريع ومن الوجهة النظرية فقط . أما من حيث العمل والتطبيق فلا فرق بينهما ، فأكثر الناس منذ كانوا ومن هابيل وقابيل حتى يومنا هذا يعملون بشريعة الغاب ، وينفذونها بإخلاص مع فارق واحد ، وهو أن للضعيف تمام الحق في أن يتكلم ويعترض ويحتج ويناقش ويدلي بحجج الأرض والسماء ، بل له أن يسب ويشتم في البرلمان وهيئة الأمم ومجلس الأمن ، وفي الصحف والإذاعات . . في كل مكان . . ولكن في النهاية لا بد أن تنفذ في حقه شريعة الغاب ، ويقع فريسة بين أنياب القوي على كل حال . هذا هو منطق الناس ، وعليه عملهم منذ القديم ، أما منطق علي ( ع ) فهو الحق والعدل ، وشريعته هي شريعة اللَّه والانسانية ، فالقوة عنده للحق وحده ، وصاحبه هو العزيز الغالب ، وان كان ضعيفا معدما ، والمبطل هو الحقير الأذل ، وان كان قويا منعما . . ولا ريب ان هذا الطراز من الحكم لا تتحمله الناس ، بل يراه الكثيرون قسوة وفظاعة ، وأي « سيد » يرضى أن يكون هو والعبد سواء أمام الحق وفي روضة الكافي للكليني « ان الإمام قسم العطاء في ذات يوم ، فأعطى رجلا من الأنصار ثلاثة دنانير ، وجاء بعده غلام أسود ، فأعطاه ثلاثة دنانير ، فقال الأنصاري : يا أمير المؤمنين هذا غلام أعتقه بالأمس ، وتجعلني وإياه سواء فقال الإمام ( ع ) : اني نظرت في كتاب اللَّه فلم أجد فضلا لولد إسماعيل على ولد اسحق - ملاحظة الإمام من ولد إسماعيل - ثم قال الإمام : ان آدم لم يلد عبدا ولا أمة ، ان الناس كلهم أحرار » . ( 1 ) هذا هو الاسلام في واقعه وجوهره : الناس كلهم أحرار ، كلهم سواء تماما كأسنان المشط كما قال سيد الكونين محمد بن عبد اللَّه ( ص ) . . وما خلق اللَّه الأسود حين خلقه ليكون رقا لأخيه الأبيض ، حاشا وجل ، ولكن الناس قد تبانوا فيما بينهم على وجود الرق في مرحلة من مراحل التاريخ حيث لا آلة ، ولا حيوان يفي بالعمل المطلوب للانتاج ، ولا غنى للحياة بوجه إلا بالرق ، ومن أجل هذا
--> ( 1 ) روضة الكافي للشيخ الكليني ج 1 ص 124 المطبعة الاسلامية بطهران سنة 1382 ه .