محمد جواد مغنية
242
في ظلال نهج البلاغة
أقره جميع الأنبياء قبل محمد ( ص ) وما أنكره فيلسوف ولا مصلح ، ولما جاء الاسلام لم يجد الوسيلة لإلغائه فقيّده بقيود لصالحه ، وفتح أبوابا لعتقه ذكرت في كتب الفقه والحديث ، ولما تقدمت العلوم ووجدت الآلة واستقامت الحياة بدون الرق ، وألغاه الانسان من الأساس فإن الاسلام يقر هذا الإلغاء ويباركه ، ما في ذلك ريب . ( رضينا عن قضائه ، وسلَّمنا للَّه أمره ) . وكل من أخلص للَّه موحدا ، وأذعن له قولا وعملا يبقى على ثقته به في الضراء كما هو في السراء ، ولا يظن باللَّه ظن السوء ، وإن أصيب بنفسه وولده وماله ، وتكلمنا عن القضاء والقدر في كتاب « فلسفة التوحيد والولاية » ( أتراني أكذب على رسول اللَّه ( ص ) واللَّه لأنا أول من صدقه فلا أكون أول من كذب عليه ) . وسبب الكذب في الغالب يكون واحدا من اثنين : الخوف أو الطمع ، والإمام لا يخشى إلا اللَّه ، ولا يطمع إلا في مرضاة اللَّه فكيف يتقرب اليه بالكذب على رسول اللَّه وهو أول القوم به إيمانا ، وأكثرهم له تسليما وإذعانا . وقد روى هو عن النبي ( ص ) في خطبه الآتية : « من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » . وقال في الخطبة نفسها : « ان بعض الصحابة تقربوا إلى أئمة الضلال والدعاة إلى النار بالزور والبهتان . . » ومن أقواله : « الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك ، وأن لا يكون في حديثك فضل عن عملك ، وأن تتقي اللَّه في حديث غيرك » . ومن يتق اللَّه في أحاديث الناس العاديين كيف يعصيه في حديث الرسول الأكمل الذي هو وحي منزل . ( فنظرت في أمري فإذا طاعتي سبقت بيعتي ، وإذا الميثاق في عنقي لغيري ) . يريد ببيعتي مبايعته الخلفاء من قبله ، وبطاعتي طاعته للنبي ( ص ) حيث أوصاه بالصبر وعدم المقاومة ، والمعنى انه ما أعلن الحرب على من اغتصب حقه في الخلافة لأن النبي ( ص ) أوصاه بالصبر على دائه ، وليس في وسعه إلا أن يسمع ويطيع لأن طاعة الرسول أمانة في عنقه .