محمد جواد مغنية
240
في ظلال نهج البلاغة
( ومضيت بنور اللَّه حين وقفوا ) . المراد بنور اللَّه هنا الوحي ، وبالمضي علم الإمام به ، كما هو في واقعه وعند اللَّه سبحانه ( وكنت أخفضهم صوتا ) في مجلس النبي ( ص ) تأدبا بقوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ الله أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ الله قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ) * - 3 الحجرات . وقال الشارحون لنهج البلاغة : هذا كناية عن ثبات الجأش ( وأعلاهم فوتا ) . أي أسبقهم إلى الفضائل والمكرمات ، ومن أقواله : « ولدت على الفطرة ، وسبقت إلى الايمان والهجرة » . ( فطرت بعنانها ) . لما سبق إلى الخيرات كان كالطائر إليها ( واستبددت برهانها ) . أي انه اختص عند اللَّه بأجر السابقين ( كالجبل لا تحركه القواصف ، ولا تزيله العواصف ) . تراكمت الخطوب على الإمام بعد رسول اللَّه ( ص ) وبخاصة أيام خلافته ، فثبت لها ثبوت الراسيات ، وما زادته إلا إيمانا باللَّه ، وإخلاصا له ، وثقة به ، ومن أقواله : « فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانا ، ومضيا على الحق ، وتسليما للأمر ، وصبرا على مضض الجراح » . ( لم يكن لأحد فيّ مهمز ، ولا لقائل في مغمز ) . أبدا حتى أعداء الإمام شاهدوا فضائله وشهدوا بها . قال طه حسين في كتاب « علي وبنوه » ص 16 « لعلي فضائل كثيرة يعرفها له أصحاب النبي ( ص ) على اختلافهم - أي حتى المناوئين له والحاسدين - ويعرفها له خيار المسلمين من التابعين ، ويؤمن له بها أهل السنة كما يؤمن له بها الشيعة ، وسنرى حين نمضي في سيرته وحين نبين مواقفه من المشكلات الكبيرة التي عرضت له انه كان أهلا لكل هذه الفضائل ولأكثر منها » . للمنبر - شريعة اللَّه وشريعة الغاب : ( الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له ، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه ) . للَّه وللانسانية شريعة ، وللغاب أيضا شريعة تقوم على القوة وحدها ، فلا محاكمة وقوانين ، ولا أصول واجتهادات ، ولا نقاش وبيّنات . . أبدا لا شيء إلا استسلام الضعيف للقوي يحكم عليه بما يريد ، ويفعل ما يشاء . . وبكلمة : الحق للقوة وصاحب العضلات ، والضعيف مبطل ومفتر على كل حال . . أما شريعة اللَّه والانسانية فلها أصول وقوانين على أساس الحق والعدل ، وللمتهم حق