محمد جواد مغنية

239

في ظلال نهج البلاغة

مشكلات الحكم ، أم كان الإمام فيها من السابقين كجهاده في بدر وأحد والأحزاب حيث كان معاوية وابن العاص مع المشركين . ( وتطلعت حين تقبعوا ) . أي ان الإمام ( ع ) أخذ عن النبي ( ص ) علومه وأخلاقه . وهذه المنقبة تخص الإمام وحده دون المسلمين ، وهي نتيجة حتمية لحياته وبيئته وظروفه ، فلقد كفله النبي ( ص ) صغيرا ، وقام على تنشئته وتربيته ، ولازمه بعد الوحي ملازمة الظل ، وكان أحبّ الخلق إلى النبي ، ويؤثره على جميع الناس دون استثناء كما قالت عائشة حين سئلت عن أحب الناس إلى النبي ( ص ) . . ( أنظر شرح الخطبة 33 ) . وكان النبي ( ص ) يفضي اليه بكل ما عنده من علوم وأسرار . قال الإمام في بعض خطبة : « والذي بعثه بالحق ما أبقى شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني ، وأفضى به إلي » . وجاء في كتاب ( الصواعق المحرقة ) ص 125 طبعة 1375 ه : « ما من آية في القرآن إلا وعلي أميرها وشريفها ، ولقد عاتب اللَّه أصحاب محمد ( ص ) في غير مكان ، وما ذكر عليا إلا بخير ، وان ابن عساكر قال : ما أنزل اللَّه في أحد ما أنزل في علي ، ولقد بلغت الآيات فيه ثلاثمئة آية » . ( ونطقت حين تعتعوا ) . أي ان الإمام ( ع ) بيّن أحكام المعضلات والمشكلات حين سكت غيره جهلا وعجزا ، وبيان ذلك أنه قد حدث بعد النبي ( ص ) وقائع لا نص على أحكامها بالخصوص في الكتاب والسنة ، وهذا شيء طبيعي لأن النصوص محدودة ومتناهية ، أما الحوادث المتوقعة فلا نهاية لها ، ولكن في مقدور العالم بأسرار هذين الأصلين وبعلل الشريعة الإسلامية وأحكامها أن يستخرج تلك الأحكام من المباديء العامة التي ترتكز عليها نصوص الكتاب والسنة ، ويرتكز عليها الاسلام أصولا وفروعا . . وكان الخلفاء وغير الخلفاء من الصحابة يفزعون إلى الإمام ( ع ) في كل ما يعرض لهم من هذه المعضلات ، ولا يجدون لها حلا وجوابا إلا عنده ، وكان عمر بن الخطاب يعرف ذلك للإمام ، ويقول : « أعوذ باللَّه من معضلة ولا أبو حسن لها . . اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب » . ( 1 ) وكفى بحديث « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » شاهدا ودليلا .

--> ( 1 ) نقل هذا صاحب كتاب الاسلام على ضوء التشيع عن ابن كثير في تاريخه ج 7 ص 359 ، وعن الخوارزمي في مناقبه ص 48 .