محمد جواد مغنية
236
في ظلال نهج البلاغة
وقال ابن أبي الحديد : « قد تظافرت الأخبار عن رسول اللَّه ( ص ) حتى بلغت حد التواتر بما وعد اللَّه تعالى قائلي الخوارج من الثواب » . بل تظافرت الأخبار عن النبي ( ص ) في أن على كل مسلم أن يقاتل مع علي ( ع ) كل من قاتله أيا كان ويكون . . من ذلك قوله ( ص ) : « سيكون بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب ، فإنه أول من يراني ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين » . رواه ابن عبد البر في ( أسد الغابة ) ج 5 ص 287 طبعة مصر سنة 1285 ه ، وأيضا رواه المتقي الهندي في ( كنز العمال ) ج 7 ص 305 طبعة حيدر آباد سنة 1312 ه ، ورواه آخرون . أنظر كتاب ( فضائل الخمسة من الصحاح الستة ) . . ولا يختلف اثنان في قول الرسول الأعظم ( ص ) : « يا علي لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق » . فكيف بمن جيّش الجيوش لحربه وقتله وقتاله . . وعلى أية حال فإن الذين اعتذروا عن عائشة ومعاوية وطلحة والزبير - لم يعتذروا عن الخوارج ، وأجمعوا على مروقهم من الدين . ( قد طوّحت بكم الدار ) . أي تهتم عن الحق ، وهو أمامكم ظاهر للعيان ( واحتبلكم المقدار ) . أي ان أوضاعكم وتفكيركم الخاطئ أوقعكم في الحبالة ، وهي شبكة الصيد ( وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة ) وهي قبول التحكيم ، وتقدم في الخطبة 35 بالنص الحرفي ( حتى صرفت رأيي إلى هواكم ) . ولو أصر الإمام على رأيه لوقع في محذور أشد ، لأنهم سفهاء وأجلاف ، وأشرنا فيما تقدم ان بعضهم هدد بتسليم الإمام إلى معاوية إذا لم يوافق على التحكيم . . ومن البداهة ان العاقل يختار أهون الشرين ، ويدفع الأشد بالأخف ، وقوله : « أنتم أخفّاء الهام سفهاء الأحلام » يومئ إلى ذلك .