محمد جواد مغنية

229

في ظلال نهج البلاغة

ويحرقون أنفسهم أحياء مخيرين لا مسيرين احتجاجا على الطغاة والظالمين ، ولم نسمع قط ان أحدا أسلم نفسه لعدوه وعدو الانسانية كي ينكل به ، ويشفي منه الغليل . . ولا فرق بين هذا ومن سكت عن عدوه الطاغية يفعل به ما يشاء دون أن يدافع ويحرك ساكنا . . بل هو أسوأ حالا ممن ينتحر محتجا على أعداء اللَّه والانسانية . . انه تماما كمن يأكل لحمه بأسنانه ، ويكسر عظمه بيده ، ويمزق جلده بمديته . . ولا شيء وراء هذا الجبن والخور حتى الجنون . ولا صورة أروع وأصدق للجبن من هذه الصورة . . انه يفصم الجبان عن نفسه ، ويلقي به مكتوفا بين يدي جزار الانسانية وعدوها اللدود ، ليفعل به ما يفعل الوحش الكاسر بفريسته من فري الجلد ، وأكل اللحم ، وهشم العظم . ( أنت فكن ذاك ان شئت ) . الخطاب ب « أنت » لمطلق شخص يضعف عن عدوه ، ويستسلم له ، والمعنى أنت وما تختار لنفسك أيها الجبان من الاذلال والهوان ( فأما أنا فو اللَّه دون أعطي ذلك ضرب بالمشرفية إلخ ) أي انه ( ع ) يدافع ويجاهد بسيفه ولا يبالي دخل إلى الموت ، أو خرج الموت اليه . ( أيها الناس ان لي عليكم حقا ، ولكم علي حق ) . الحقوق متبادلة بين الراعي والرعية ، وهذا التبادل طبيعي يرتبط بشخصية الاثنين تماما كما أنه شرعي ، لأن واضع الشريعة هو خالق الطبيعة . وأشار الإمام إلى حق الرعية عليه بقوله : ( فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم ) . الاخلاص والصدق في القول والعمل ، والعدل والإنصاف في الحكم والتوزيع ( وتوفير فيئكم عليكم ) . الحرص على بيت المال وتنميته ، وسد حاجة ذوي الحاجات ( وتعليمكم كيلا تجهلوا ) . وإرشادكم السبيل التي أرشد إليها كتاب اللَّه وسنّة نبيه ، لأن جهلكم بدين الحق يبتعد بكم عن مكارم الدنيا وحسناتها ، ويغريكم بأقذارها وسيئاتها ( وتأديبكم كيما تعملوا ) . المراد بالتأديب هنا العقوبة بإقامة حدود اللَّه سبحانه ، والمراد بالعمل الاستقامة حيث قال في بعض ما يأتي من خطبه « وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا » . ثم أشار إلى حق الراعي على الرعية بقوله : ( وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة ) . وهي عقد توثيق بين الحاكم والمحكوم على أن يدبر الحاكم أمور المحكوم على أساس المصلحة ، ويحفظ الأمن والنظام ، ويقيم الحدود وينفذ الأحكام . . وعلى كل من الطرفين أن يفي بهذا العقد ، ولا يجوز فسخه بحال .