محمد جواد مغنية

226

في ظلال نهج البلاغة

منها الأطراف ، وأصحاب الإمام يتثاقلون ، ولا يحركون ساكنا ، فإذا سكت هو أيضا وتجاهل فلا تفسير لسكوته في هذا المقام إلا الرضا ، لأن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان يشعر بالرضا . . وأيضا كان الإمام يخطب ويقرع حين يأتيه الخبر بغزوة أو تدبير من العدو ، وما أكثر ما غزا العدو الأطراف ودبر المكائد . . وأيضا شكا الأنبياء أقوامهم مرات ومرات ، ودعوا عليهم بالهلاك ، وبلغ الأمر بيونس ان ترك قومه مغاضبا وأن ضرب في الأرض لا يدري إلى أين . . على أن الرؤساء في النهاية ثابوا إلى رشدهم ، وندموا على تفريطهم ، بخاصة بعد ان صمم الإمام ( ع ) على المضي إلى الجهاد وحده أو مع قلة من أهله ومن تبعه من المؤمنين ، فيقاتل حتى يلقى ربه ، فاستخزى الرؤساء أنفسهم ، وحرض كل رئيس قومه ، حتى اجتمع للإمام جيش يمكن الركون اليه . وقبل ان يسير الإمام إلى حرب عدو اللَّه وعدوه نزل القضاء بضربة من سيف ابن ملجم ، عليه لعائن اللَّه ، وبها اختتم الإمام ( ع ) بلاءه وأعباءه . ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا ، وبالذل من العز خلفا ) الجهاد لنصرة الحق ، ولو بكلمة خالصة لوجهه تعالى ، هو العزة والكرامة دنيا وآخرة ، ومن رغب عن الجهاد ، وتخوف منه فقد رضي بالهوان ، وتخوف من الحق والصدق والعدل ( إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة ) . أبدا لا فرق عندهم بين دعوتهم إلى الجهاد ، ونزول الموت بهم ، وليس من شك ان لهذه الظاهرة أسبابها ، ومنها كراهية الحرب ، وحب الأمن وفراغ البال ، ولكن هل للأمن والسلم من وزن إذا كان معه رق واستذلال ، واغتصاب واستغلال ان هذا سلم الظلم لا سلم العدل ، وأمن اللصوص لا أمن الشرفاء ( ومن الذهول في سكرة ) . بيان وتفسير للمعطوف عليه . ( يرتج عليكم حواري فتعمهون ) . لما ذا تفحمون وتتحيرون إذا خاطبتكم بكلمة الجهاد . ( كأنّ قلوبكم مألوسة ) . أصاب عقولكم مس الجنون ( فأنتم لا تعقلون ) مضاركم ومنافعكم ، ولا تميزون بين ما يصلحكم وما يفسدكم ( ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ) . أبدا لا أثق بكم . . وأي عاقل يثق بسراب ( وما أنتم بركن يمال بكم ) على العدو ، فتكسرون شوكته ، وتردعونه عن عدوانه ( ولا زوافر عز يفتقر إليكم ) . لستم أنصارا للحق ليعتز بكم ويحتاج إليكم المحقون . ( ما أنتم إلا كالإبل ضل رعاتها إلخ . . ) كناية عن اختلاف كلمتهم ، وشتات