محمد جواد مغنية

221

في ظلال نهج البلاغة

يكتب الرسائل لعماله أو يرسل الحكمة والموعظة حسب المقامات والمناسبات يوم لا تأليف ولا تصنيف عند العرب ، ولا شيء إلا كتاب اللَّه وسنّة نبيه ، وفي أواخر القرن الرابع الهجري جمع الشريف الرضي من آثار الإمام ما في نهج البلاغة . ( فساق الناس حتى بوأهم محلتهم ، وبلَّغهم منجاتهم ، فاستقامت قناتهم ، واطمأنت صفاتهم ) . دفع الرسول الأعظم ( ص ) بالناس إلى الإمام ، وأنقذهم من الهلكة إلى سبيل النجاة ، فاستقامت أمورهم ، وسكنوا في ديارهم آمنين ، وكانوا يخافون من قبل أن يتخطفهم الناس ، وبكلام أوضح : حوّل الرسول الأعظم ( ص ) قومه من الشرك إلى التوحيد ، ومن الضلال إلى الهدى ، ومن الذل إلى الفتح المبين ، فكان مبعثه إيذانا بالتحول الخطير في حياة العرب ، بل في حياة العالم كله بشهادة التاريخ ، وكل باحث قديم وجديد في الشرق وفي الغرب . ( أما واللَّه ان كنت لفي ساقتها حتى تولت بحذافيرها ، ما عجزت ولا جبنت ) . الضمير في ساقتها ، وتولت بحذافيرها يعود إلى الناس الذين ساقهم النبي ( ص ) حتى بلغ بهم منازل العزة والكرامة ، ويريد الإمام انه قد ساهم في ذلك ، ويجوز أن يعود الضمير إلى الجاهلية المفهومة من الكلام أي ان الإمام ساهم في جهاد الجاهلية والقضاء عليها . ولا يختلف اثنان في أن عليا ( ع ) ساهم بنصيب فعال مع رسول اللَّه ( ص ) في جميع مواقفه ، وكان له شأن كبير في الجهاد من أجل الاسلام . . فلقد بات على فراش النبي ليلة الهجرة ، وكان بذلك أول فدائي في الإسلام ، وقتل ابن ود ، فانهزم الأحزاب ، وأردى مرحبا فانتصر الاسلام وأهله ، أما بقية المشاهد كبدر وأحد . . فقد كان له منها الحظ الأكبر والأوفر . فبسيف عليّ وساعده وشجاعته وثباته قام الإسلام ، ورست دعائمه ، وإذن فلا عجب أن يقول : « إن كنت لفي ساقتها حتى تولت بحذافيرها » . شيء آخر ساهم فيه الإمام ( ع ) لا يقل نفعا وشأنا عن جهاده بالسيف ، وهو أثره البالغ في الشريعة والتفسير واللغة والفلسفة والأخلاق ، ونظريته في المال والاقتصاد والرعية والراعي . . إلى غير ذلك من العلوم ، ومن هنا كانت منزلته عند الرسول الأعظم فوق الجميع بلا استثناء . قال الترمذي في صحيحة ج 2 ص 319 طبعة بولاق سنة 1292 ه : « سئلت عائشة أي الناس كان أحب إلى