محمد جواد مغنية

213

في ظلال نهج البلاغة

فإن الزمن من حيث هو لا يمدح ولا يذم ( يعد فيه المحسن مسيئا ) . لو سئلت عن الفرق بين المحسن والمسيء لأجبت بأن المحسن من لا يرى نفسه محسنا ، وفي الوقت نفسه يرى أن في إمكانه ومقدوره ان يردعها عن المحرمات والإساءة إلى الناس . . والى هذا يومئ كلام الإمام ( ع ) : « كان من نفسه في شغل ، والناس منه في راحة » على عكس المسئ الذي يرى نفسه محسنا ، وغيره المسئ ، ونفسه منه في راحة ، والناس منه ومن شره في شغل شاغل . ( ويزداد الظالم عتوا ) . للظلم والعتو أسباب ، وأهمها أن يتولى المجرمون مركز القيادة ، ويحتكروا المال والسلاح ، وسائر مظاهر القوة كوسائل النشر والدعاية وما إليها ( لا ننتفع بما علمنا ) . نحن نعرف المجرمين بأسمائهم وأشخاصهم ومع هذا نمهد لهم سبيل الجريمة والفساد ، فنختارهم للرئاسة والقيادة ، وللتمثيل والنيابة ، ونطبل لهم ونزمر ، ولا فرق بين الظالم ومن أمده بسبب . ( ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا ) . لا نتوقع حدوث المخاطر التي تهدد حياتنا وحياة أبنائنا في المستقبل القريب أو البعيد ، أو نتوقعها ولكن نستهين بها ، ولا نبذل أي جهد لدفعها والتحرز منها . . أجل ، إذا وقعت تصايحنا واستغثنا ، ولكن لا جواب إلا الندم والحسرات . واليوم يعاني العالم وبخاصة الشعوب المتخلفة أخطر مشكلة ، وهي النمو العددي للسكان مع العلم بأن هذه الشعوب تملك الكثير من الطاقات والموارد فوق الأرض وتحتها ، ولكن هذه تهمل وتتجاهل ، ويستغلها الأعداء والأباعد ، وتعيش هي في أسوأ حال ، تتسول وتستجدي ممن ينتهبها ويستلبها . . أما الأجيال الآتية من أبناء هذه الشعوب فقد تنبأ بعض الباحثين بأن الحاجة ستدفع بهم إلى أن يأكل بعضهم بعضا ، ثم إلى مهاوي الفناء جوعا . وليس هذا ببعيد ، فقد حدث وتكرر في التاريخ الذي قال : حدثت مجاعة في البصرة ، فحفر الناس القبور ، وأكلوا ما فيها من بقايا الموتى . ( والناس على أربعة أصناف ) . وهم في الحقيقة صنفان : أهل الدنيا ، وأهل الآخرة . وأهل الدنيا أربعة أصناف : 1 - ( منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه ، وكلالة حده ، ونضيض وفره ) . انه لا يسعى للرئاسة ، ولا يفسد في الأرض ، ولكن لا زهدا