محمد جواد مغنية
197
في ظلال نهج البلاغة
والرخاء ، لأن اللَّه في إيمانه ويقينه يجب أن يطاع على كل حال ودون قيد أو شرط ، بل الخوف منه تعالى في السراء أولى وأوجب ، لأنها ربما تكون امتحانا واستدراجا : * ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) * - 44 القلم . * ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِه مِنْ مالٍ وبَنِينَ ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) * - 56 المؤمنون . ( ألا واني لم أر كالجنة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها ) . يأوي الآمن إلى فراشه ، وينام ملء عينيه هادىء النفس مرتاح البال ، لا يؤرقه شيء كأنه في عزلة عن العالم كله ، أما الخائف الهارب فلا يقر له قرار ، ولا يجد الهدوء والراحة ، لأنه في شغل شاغل بما يخيفه ويهدده . . حتى عن الأكل والنوم ، وكذلك من يطلب العزيز الثمين ، ويسعى اليه فإنه يركز عليه همه واهتمامه وجميع حواسه وأفكاره ، وينصرف عن كل شيء عداه . ومن البداهة انه لا نعيم أعز وأغلى من نعيم الجنة ، ولا عذاب أقسى وأخزى من عذاب جهنم . واذن كيف يزعم زاعم انه يخاف من نار جهنم ويهرب منها ، وانه يرغب في الجنة ويطلبها ، ثم يغرق في سبات عميق ( ألا وأنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل ) . قد يتحذلق البعض ويقول : وأية جدوى من الحق واتباعه انه لا يجلب في هذه الحياة نفعا ، ولا يدفع ضرا . . ويقول الإمام ( ع ) في جوابه : إذا لم ينتفع بالحق - كما زعمت - فإن الباطل يجره إلى الويلات لا محالة . . وتجدر الإشارة إلى أن هذا الجواب من الإمام إنما هو على سبيل المماشاة مع الخصم والتسليم جدلا بدعواه . . وإلا فإن الحق أحق أن يتبع ، والباطل يجب أن يترك على كل حال ، ومهما تكن النتائج ، وفي الحديث الشريف : ان الجنة حفت بالمكاره ، وان النار حفت بالشهوات . وقال الإمام ( ع ) : الحق ثقيل مريء ، والباطل خفيف وبيء . ( ومن لا يستقيم به الهدى يجرّ به الضلال إلى الردى ) . سبيلان فقط ، ولا ثالث : سبيل الهدى وسبيل الضلال ، ومن سلك الأول فقد فاز ، ومن انحرف عنه فإلى الهاوية ، قال تعالى : * ( ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّه ما تَوَلَّى ونُصْلِه جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيراً ) * - 115 النساء . . ( ألا وانكم قد أمرتم بالظعن ، ودللتم على الزاد ) . كلكم أيها الناس مدعوون إلى اللَّه والوقوف بين يديه للحساب والجزاء والسؤال والجواب ، ولا مهرب إلا التلبية والاستجابة ، فأعدوا لها ما