محمد جواد مغنية
198
في ظلال نهج البلاغة
دلكم اللَّه عليه وأمركم به من صالح الأعمال ، وكريم الخصال ( وان أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : اتباع الهوى ، وطول الأمل ) . أما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة كما قال الإمام ( ع ) . للمنبر - بين الدنيا والآخرة : ( فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا ) يشير الإمام ( ع ) بهذا إلى العلاقة القوية الوثيقة والترابط المتين بين السعادة في الآخرة والصلاح والاصلاح في الحياة الدنيا ، وبين الشقاء في الحياة الثانية والفساد والإفساد في حياتنا هذه . . يقول ( ع ) : خذوا من هذه الحياة قبل أن يوافيكم الموت ، وتزودوا من خيرها إلى الآخرة قبل الرحيل ، وكم فيها من خيرات . . فما من شيء يسهّل العيش على الانسان إلا هو خير عند اللَّه ، وما من عمل يحقق الأمن والدعة للناس جميعا إلا هو فضيلة في كتاب اللَّه ، وما من نهضة تحرر الانسان من الجهل والعبودية والاستغلال إلا هي حق في علم اللَّه . . وكل ما يسير بالحياة إلى الأفضل في أية جهة تكون فهو دين وايمان عند اللَّه . أرأيت إلى هذا الترابط العضوي بين الدنيا والآخرة ، وهذا التكامل بين الشجرة والثمرة . واذن أين مكان الريب في اليوم الآخر وما هي عيوب الايمان به وبالوقوف بين يدي عادل قدير لنقاش الحساب على ما فعل الانسان وترك أبالثواب والنعيم على ما أحسن ، أم بالعقاب والجحيم على ما أساء . . هذه هي الآخرة عند الاسلام . . لا تنفك ولا تنفصم عن عمل الدنيا بحال : * ( مَنْ كانَ فِي هذِه أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى وأَضَلُّ سَبِيلًا ) * - 72 الإسراء . . * ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) * - 142 آل عمران . . أبدا لا نظرية مجردة ، ولا عقيدة مستقلة عن العمل في الاسلام ، كيف وهو القائل : * ( وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وأَنَّ سَعْيَه سَوْفَ يُرى ) * - 40 النجم . ومن هنا كان الاسلام دين العمل حقا وواقعا ، العمل من أجل حياة أفضل في شتى الميادين . ومن هنا أيضا يبارك الاسلام الخصب والرخاء ، ويحرص على الأمن والعدل ، ويستنكر الفقر والتخلف ، ويلعن الاستعباد والاستغلال ، ويثور على الظلم والعدوان . .