محمد جواد مغنية
178
في ظلال نهج البلاغة
في كف القدر ، وشاءت الظروف أن تكون دولة علي ( ع ) في العراق ومن أهل الشقاق والنفاق ، ودولة معاوية في الشام ومن أهل النظام والوئام . . فلا بدع ان تثبت هذه ، وتتزلزل تلك . 2 - ( وبمعصيتكم إمامكم في الحق ، وطاعتهم إمامهم في الباطل ) . ونقل ابن أبي الحديد عن الجاحظ : « ان العلة في عصيان أهل العراق وطاعة أهل الشام ان أهل العراق ذوو نظر وفطنة ينقبون عن عيوب الأمراء والرؤساء ، وأهل الشام ذوو بلادة وجمود على شيء واحد لا يروون النظر ، ولا يسألون عن مغيّب الأحوال » . وهذا مجرد وهم وكلام ، فأية عيوب أظهرها أهل العراق لحكم الإمام ( ع ) . والصحيح ما قاله المؤرخون وأهل السير القدامى والجدد ، ومنهم طه حسين في كتاب « علي وبنوه » من « ان معاوية كان يكيد ويمكر ، ويشتري من الناس دينهم وضمائرهم ، وان عليا لم يكن يستبيح لنفسه مكرا ولا كيدا ولا دهاء ، بل كان يؤثر الدين الخالص على هذا كله ، وكان يحتمل الحق مهما تثقل مئونته ، لا يعطي في غير موضع العطاء ، ولا يشتري الطاعة بالمال ، ولا يحب أن يقيم أمر المسلمين على الرشوة ، ولو شاء علي لمكر وكاد ، ولكنه آثر دينه وأبى الا أن يمضي في طريقه إلى مثله العليا من الصراحة والحق والاخلاص والنصح للَّه وللمسلمين عن رضى واستقامة لا عن كيد والتواء » . وآية ذلك قوله : أتأمروني ان اطلب النصر بالجور . 3 - ( وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم ) . المراد بالأمانة هنا البيعة ، وان أهل الشام بايعوا معاوية ووفوا ، وان أهل العراق وغيرهم بايعوا الإمام ( ع ) وغدروا . 4 - ( وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم ) . أهل الشام يدافعون عن بلادهم ويستميتون في سبيلها ، أما أهل العراق فقد آثروا الراحة والدعة ، وما دفعوا ضيما ، ولا جلبوا مغنما ( فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته ) . نفاق وشقاق ، وفوق ذلك كله الرتع في الخيانة وعدم الأمانة حتى على أتفه الأشياء . ( اللهم إني قد مللتهم وملَّوني ، وسئمتهم وسئموني ) . ملَّهم وسئمهم لخيانتهم ونفاقهم وشقاقهم ، وملَّوه وسئموه لإخلاصه وعدله وصلابته في جنب اللَّه ( فأبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرا مني ) . هو خير بلا شر ،