محمد جواد مغنية
177
في ظلال نهج البلاغة
( أنبئت بسرا قد أطلع اليمن ) . قالوا : ان معاوية وابن العاص والمغيرة بن شعبة من دهاة العرب . . ومن البداهة ان الدهاء يحتاج إلى عقل : وقال أهل اللَّه وأولياؤه : العقل عقلان : رحماني يعبد به اللَّه ، ويستغل في خدمة الانسان وصالحه ، وشيطاني يتخذ أداة للصوصية والتقتيل والتدمير كالعقل الذي اكتشف أو صنع أخطر سلاح يهدد مصير البشرية في القرن العشرين . . وقد اكتشف معاوية في عهده هذا النوع من السلاح في أشخاص يضمنون له التفوق على العباد ، والتحكم في مقدرات البلاد تماما كما هو شأن الذين يملكون في عصرنا أسلحة الخراب والدمار . ومن هؤلاء الأشخاص الذين اكتشفهم معاوية بسر بن أرطاة ، فلقد كان سفاحا مفسدا في الأرض مسرفا في الحرق والنهب والقتل والذبح حتى النساء والأطفال : فاختاره معاوية وجهزه بالسلاح والرجال ، وقال له فيما قال : « أقس على أهل البادية من شيعة علي ، واملأ قلوبهم ذعرا ، وأت المدينة فأرهب أهلها حتى يروا انه الموت - لأنها آوت النبي ( ص ) وناصرته على أبيه ( معاوية ) أبي سفيان » . وقال طه حسين : « مضى بسر ، وأنفذ أمر معاوية ، وأضاف اليه من عند نفسه قسوة وغلظة وإسرافا في الاستخفاف في الدماء والأموال والحقوق والحرمات ، فكان كثير الفتك في البادية ، وجاء المدينة فروّع أهلها حتى أراهم الكارثة رأي العين ، وأمرهم بالبيعة لمعاوية ففعلوا . . ومضى إلى اليمن ونشر فيها الرعب بالإسراف في القتل ، ثم أخذ البيعة لمعاوية ، وذبح ابني عبيد اللَّه بن عباس ، وكانا صبيين » . هذه هي كياسة معاوية الداهية تجلت في سفك الدماء ونهب الأموال وذبح الأطفال ، في مبدأه « الميكيافيلي » الذي يبرر أخس الوسائل لبلوغ الغاية الدنيئة الأموية . ( واني واللَّه لأظن ان هؤلاء القوم ) ، وهم معاوية وأهل الشام ( سيدالون منكم ) . يتغلبون عليكم ، ويتحكمون في أموالكم ودمائكم . . وصدقت نبوءة الإمام ( ع ) ، فقد تسلط من بعده معاوية على العراق ، وأذل أهله بالسيف ، وأذاقهم اللَّه وبال أمرهم . ثم أشار الإمام إلى الأسباب الموجبة لذلك ، وهي أربعة : 1 - ( باجتماعهم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم ) . تعيش الدول وتحقق أهدافها إذا توافر لديها رجال وجنود منضبطون وموحدون ، وإلا كان مصيرها