محمد جواد مغنية

147

في ظلال نهج البلاغة

في خبّاط وركَّاب إلى كثرة الأغلاط والأخطاء ( لم يعض على العلم بضرس قاطع ) . أي لا يعتمد في أقواله وأحكامه على أصل ثابت ، وقاعدة صحيحة ( يذري الروايات اذراء الريح الهشيم ) . المراد بالروايات هنا كل نقل يثبت قول المعصوم أو فعله أو تقريره ، ويذري الروايات كناية عن جهله بدلالاتها ووقائعها ( لا مليء واللَّه بإصدار ما ورد عليه ) فارغ من العلم ، فإذا وردت عليه إحدى القضايا قال فيها بالجهل والغباء ، وحكم بالجور والأهواء ( ولا هو أهل لما فوض اليه ) . وتولى منصب القضاء بالشفاعات والرشاوات . ( لا يحسب العلم في شيء مما أنكره ) . زين له الجهل انه أحاط بكل شيء علما ، وان ما غاب عنه فليس بعلم . . وان قال سبحانه : * ( ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ ) * - 85 الإسراء . . ( ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهبا لغيره ) . ليس للعلماء - في زعمه - بحوث وتجارب ، ولا للأئمة آراء ومذاهب ، ولا للعلوم تقدم وتطور . . أبدا لا شيء إلا عقله وفهمه ، وهو الحكيم الخبير . . وهذه أبشع صورة للجاهل ، وقد يظن أنها ضرب من المبالغة . . كلا ، هي عين الواقع ، ومن تتبع وتأمل رآها في أكثر من واحد . ( وان أظلم ) أي خفي ( عليه أمر اكتتم به ) ستر جهله بالأمر الذي خفي عليه ( لما يعلم من جهل نفسه ) ومع هذا يتظاهر بالعلم والمعرفة كيلا يعد مع الجاهلين ( تصرخ من جور قضائه الدماء ) . أي ان الدماء التي يحكم بها تنطق بلسان الحال انها أريقت ظلما وعدوانا ( وتعج منه المواريث ) لحكمه فيها بغير ما أنزل اللَّه سبحانه ( إلى اللَّه أشكو من معشر يعيشون جهّالا ، ويموتون ضلالا ) . والعيش في الجهل مع التظاهر بالعلم موت على الفساد والضلال ، ولا شيء وراء هذا العيش أو الموت إلا الداهية والهاوية . ( ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ) . المراد بالتلاوة هنا الفهم السليم ، والتفسير القويم لآيات اللَّه ، والمعنى ان هؤلاء المعاشر إذا فسر القرآن بالحق وبغير ما تهوى أنفسهم أعرضوا عنه وعاندوه ( ولا سلعة أنفق بيعا ، ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه ) وأوّل بما يشتهون . . فالدين عندهم المصلحة وكفى ( ولا عندهم أنكر من المعروف ) لأنه يخالف أهواءهم ( ولا أعرف من المنكر ) لأنه على وفق مقاصدهم . . قال الشيخ محمد عبده : وما أشبه حال هذه المعاشر بالمعاشر من أهل هذا الزمان .