محمد جواد مغنية
133
في ظلال نهج البلاغة
منها : * ( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ الله قُلُوبَهُمْ ) * - 5 الصف . * ( والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ) * - 17 محمد . ونوجز بيان التلازم والترابط بأن المسلم الحق هو الذي يؤمن ويعتقد أولا وقبل كل شيء بأن وراء هذا الكون ذاتا وقوة يجب أن يقدسها ويحبها ، وأيضا يؤمن ويعتقد بأن تلك الذات والقوة هي مصدر الفعل والتدبير في هذا الوجود ، ومصدر التحليل والتحريم ، وانها تهاب وترجى ، وتثيب وتعاقب . ثانيا : أن يترجم المسلم الحقّ تقديسه وحبه للَّه ، وإيمانه بأنه تعالى هو وحده الخالق المدبر ، والحاكم المشرع ، والمراقب المعاقب ، ان يترجم ذلك كله بالأفعال لا بالأقوال فقط ، لأن الحب والإيمان يقاسان بالآثار والأعمال ، أما مجرد النظرية المنطقية والخاطرة النفسية فيشبهان حديث النفس والخيال . هذا هو المسلم الحق والاسلام الصحيح . . وإذا نظرنا إلى مسلمي هذا العصر ، وأردنا أن نقيّم تدينهم على هذا الأساس - وجدناهم يترجمون تقديس اللَّه سبحانه بالمظاهر والشعائر كالصوم والصلاة ، وبناء المساجد والحسينيات ، أما المجتمع الاسلامي على وجه العموم فالاسلام عنده نظرية منطقية تنحصر في الأذهان والاستدلال ، وعصبية عاطفية لا تتجاوز النفوس والأقوال . إن الدين في مجتمعنا اليوم مجرد « ايتيكيت » . . و « بروتوكول » تماما كالتهنئة في الأفراح ، والتعزية في الأتراح ، ولا نرى له أثرا إلا في العبرات وضرب القامات ، وفي سير المواكب وإقامة الحفلات ، وفي الأذان والصلوات ، وفيما عدا ذلك لا أثر للدين إلا عند بعض الأفراد ، وهم أندر من النادر . . وهكذا كلما كثرت المظاهر الدينية ، وارتفع طنينها ضعف تأثير الدين من الوجهة العملية حتى قال قائل على صفحات الجرائد : « ان اللَّه لا يوجد بين القوم الذين يؤمنون به » أي ان الذين يكثرون من التظاهر بالإيمان هم أبعد الناس عنه ، تماما كالكسول البطَّال يكثر من الثّرثرات والتفاهات . . ان الايمان الحق يظهر أثره في جميع أفعال المؤمن وحركاته ووجوه نشاطه وأخلاقه ، لا في مجرد الشعائر والمظاهر . ( والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ، ولتغربلن غربلة ، ولتساطن سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم ، وأعلاكم أسفلكم ) . هذه الجمل توائم من حيث المعنى ، وترمي إلى هدف واحد ، وهو اضطراب حال المسلمين بعد الإمام ،