محمد جواد مغنية

134

في ظلال نهج البلاغة

واختلاط حابلهم بنابلهم ، وتأخرهم عن الأمم . . وقد مر على المسلمين أدوار متقلبة ومتنوعة سوءا وضعفا ، وأسوأها على الاطلاق ما هم عليه الآن . . انهم أذل الأمم ، وأضعف الخلائق ، والسر الأساسي - فيما نعتقد - هو ان الحكم ومركز القوة والقيادة في أية أثيمة خائنة ، والى هذا أشار الإمام بقوله : « يعود أسفلكم أعلاكم ، وأعلاكم أسفلكم » وعنه تتفرع بقية المساوئ كسيطرة الأعداء والأجانب ، وظهور الدجالين والأدعياء ، والتفرقة والشتات ، وما إليه من التأخر والانحطاط . لقد كان فيما مضى أمم قوية ومتحضرة ، ثم مزقهم التناحر وأفسدتهم الآفات ، فانمحوا من الوجود ، وصاروا أثرا بعد عين ، فهل يحيق بنا ما حاق بهم ، أو يتداركنا اللَّه برحمته . ( ليسبقن سابقون كانوا قصروا ، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا ) . قال الشيخ محمد عبده : « سبق معاوية إلى مقام الخلافة وقد كان في قصوره عنه ، بحيث لا يظن وصوله اليه ، وقصر آل بيت النبوة عن بلوغه وقد كانوا أسبق الناس اليه » . وهذا صحيح في نفسه ولكنه بعيد عن الكلام ، فإن المتبادر من كلمة السباق هنا السبق إلى الفضائل ، لا إلى السلطان حتى ولو كان جورا . قال سبحانه : * ( والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) * . وقال الإمام ( ع ) : وغدا السباق . ويقال : ليست له سابقة ، أي منقبة وفضيلة ، أما لفظ القاصر والمقصر فهو أظهر في الذم من لفظ السابق في المدح . ومراد الإمام - كما يرجح في الظن - ان بعض الصحابة كانت لهم سابقة مع رسول اللَّه ( ص ) ثم ختموا حياتهم بأسوأ الأعمال كالزبير الذي حبط عمله في البصرد إلا أن يقبل اللَّه توبته . . وبعضهم لم تكن لهم سابقة يعرفون بها ثم سبقوا إلى الفضائل والخيرات ، وما أكثر هؤلاء في المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان . ( واللَّه ما كتمت وشمة ، ولا كذبت كذبة : ولقد نبئت بهذا المقام ، وهذا اليوم ) . إن القرآن الناطق الذي يدور الحق معه كيفما دار يستحيل في حقه الكذب والخيانة . . بل هو حجة ودليل على الحق والصدق . وقال الشيخ محمد عبده في شرح هذا الكلام ببلاغة وايجاز : « كان رضي اللَّه عنه لا يكتم شيئا يحوك بنفسه ، كان أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر ، لا يحابي ولا يداري ، ولا يكذب ولا يداجي . وهذا القسم توطئة لقوله : نبئت بهذا المقام ، أي انه قد أخبر به من قبل على لسان النبي ( ص ) بأنه سيقوم هذا المقام ، ويأتي عليه يوم مثل هذا اليوم » .