محمد جواد مغنية

104

في ظلال نهج البلاغة

المعنى : كانت ظروف الإمام ( ع ) قاسية ومرهقة تماما كظروف النبي ( ص ) في أول البعثة . . ابتلي النبي بقوم يعبدون الأصنام ، ويأتون الفواحش ، ولا هادي لهم ودليل ، فحاربهم بالقرآن وحاربوه بالسيف والسنان ، وابتلي الإمام بقوم ظاهرهم الهدى ، وباطن أكثرهم الغدر والضلال ، وهم الذين خاطبهم بقوله : ( أقمت لكم على سنن الحق في جواد المضلة حيث تلتقون ولا دليل ، وتحتفرون ولا تميهون ) . كانوا أفرادا وفئات يسيرون في اتجاهات متباينة لا يجمعها إلا الفساد والضلال ، وكانوا يلتقون ويتدارسون شؤونهم عسى أن يهتدوا إلى رشد ، ولكن بغير جدوى . . تماما كالذي يطلب الماء بالبحث والحفر ولا يجد شيئا . . وقد يكون لهم بعض العذر لو لم يقم فيهم رجل رشيد . . أما وقد وقف الإمام منارا وعلما فلا حجة ولا معذرة . قال طه حسين في كتاب « علي وبنوه » : « كان علي يقسم وقته بين شؤون الحرب والسياسة والدين . . يقيم للناس صلاتهم ، ويعظهم ويفقههم في دينهم . . وكان يعظهم جالسا على المنبر أو قائما . . ولم يكن يعظهم بما كان يقول لهم ، وإنما كان يعظهم ويعلَّمهم بسيرته فيهم ، كان لهم إماما ، وكان لهم معلما ، وكان لهم قدوة وأسوة » . ( اليوم انطق لكم العجماء ذات البيان ) . المراد بالعجماء هنا العظات والعبر ، وهي صامتة من حيث المقال ناطقة بلسان الحال ، والمعنى ان الإمام شرح وبيّن لهم أسرار العبر والعظات ، وما تهدف اليه من التحذير والتخويف لعلهم يرشدون ( عزب رأي امرئ تخلف عني ) . لأنه تخلف عن إمام الهدى وكلمة التقوى ، وقال في خطاب آخر : قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها أممهم ، وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم ، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا ، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا - أي تجتمعوا - للَّه أنتم أتتوقعون إماما غيري يطأ بكم الطريق ، ويرشدكم السبيل . ( وما شككت في الحق مذ أريته ) . هذا بيان للسبب الموجب للزوم طاعته ووجوب متابعته ، وعلم الإمام بالحلال والحرام يستحيل أن يتطرق اليه الشك لأنه صورة طبق الأصل عما في علم اللَّه تعالى ، ومن هنا قال الإمام : لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا .