الشيخ السبحاني

15

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف

وأقبل يأكل حتّى أتى عليه ، ثم شرب من جَرّ كان عنده ، واستلقى على مِرفقة له ، وطفق يحمد اللّه ، يكرر ذلك . ثم قال : من أين جئت يا عبد اللّه ؟ قلتُ : من المسجد ، قال : كيف خلّفت ابن عمك ؟ فظننته يعني عبد اللّه بن جعفر ، قلتُ : خلّفتُه يلعب مع أترابه ، قال : لم أعنِ ذلك ، إنّما عنيتُ عظيمَكم أهلَ البيت ، قلتُ : خلّفته يمتح بالغَرْب « 1 » على نخيلات من فلان ، وهو يقرأ القرآن . قال : يا عبد اللّه ، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها ! هل بقيَ في نفسه شيء من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم ، قال : أيزعم أن رسول اللّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - نصّ عليه ؟ قلت : نعم ، وأزيدك ، سألت أبي عمّا يدّعيه ، فقال : صدق . فقال عمر : لقد كان من رسول اللّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - في أمره ذَرْوٌ « 2 » من قول لايثبتُ حُجّة ، ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربَع في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه ، فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام ، لاورب هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبدا ! ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها ، فعلم رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلَّم - انّي علمت ما في نفسه ، فأمسك ، وأبى اللّه إلّا إمضاء ماحتم . « 3 » فكل من يريد رأب الصدع وتقليل الشُّقّة بين الفقهين ، فيلزمه الرجوع إلى روايات أئمة أهل البيت - عليهم السَّلام - المروية بطرق صحيحة ، مضافاً إلى ما بين يديه من الروايات الواردة عن طريق الصحابة والتابعين . فلعل اللّه تعالى يلمّ بذلك الشّعَث والتفرّق .

--> ( 1 ) الغَرْب : الدلو . ( 2 ) ذرو : طرف . ( 3 ) شرح نهج البلاغة : 12 / 2120 ، ولاحظ أيضاً ص 53 .