الشيخ السبحاني
14
الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف
الشريعة والأحكام الفرعية . ولكنّهم لو رجعوا إلى أحاديث أئمة أهل البيت - عليهم السَّلام - ، فيما لم يرد فيه نصّ في الكتاب والسنّة النبويّة لاستغنوا عن إرساء هذه القواعد والعمل بالظنون الّتي لا تغني من الحق شيئاً . ويظهر ممّا رواه البخاري وغيره أن النبي الأكرم - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - كان بصدد التصريح باسم من يشغل منصّة الحكم ومرجعية الأحكام في أُخريات أيامه ، لكن حال بعضهم دون تحقيق أُمنيّة النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - . أخرج البخاري في كتاب العلم عن ابن عباس ، قال : لمّا اشتدّ بالنبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - وجعُهُ ، قال : ائتوني بكتاب أكتبُ لكم كتاباً لاتضلّوا بعده . قال عمر : إنّ النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - غَلَبَهُ الوَجَع ، وعندنا كتاب اللّه حسبُنا . فاختلفوا وكَثُرَ اللَّغَط قال : « قوموا عنّي ، ولا ينبغي عندي التنازع » فخرج ابن عباس يقول ، إنَّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - وبين كتابه . « 1 » والحقّ أنّها كانت رزيّة ليس فوقها رزيّة ، فإنّ الحيلولة بين النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - وأُمنيّته الكبرى ، وهو طريح الفراش ، فرقّت المسلمين ، وشتتّت شملهم إلى يومنا هذا ، وظهرت خلافات على كافة الأصعدة . والذي يميط الستر عن وجه الحقيقة ، هو ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب « تاريخ بغداد » في كتابه مُسنداً ، حيث قال : روى ابن عباس ( رض ) ، قال : دخلتُ على عُمَر في أوّل خلافته ، وقد أُلقي له صاعٌ من تمر على خَصَفة ، فدعاني إلى الأكل ، فأكلت تمرة واحدة ،
--> ( 1 ) صحيح البخاري : 1 / 38 ، كتاب العلم ، الحديث 114 ، دار الكتب العلمية ، بيروت - 1420 ه . وللحديث أطراف في صحيح البخاري ، لاحظ الأرقام التالية : 3053 ، 3168 ، 4431 ، 4432 ، 5669 ، 7366 .