السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

108

فقه الحدود والتعزيرات

النهي الوارد فيها عن البراءة والتبرّي مطلقاً وفي جميع الموارد ، بل كلّها جاءت في حقّ عليّ عليه السلام . وإليك واحدة من تلك الروايات ، وهي ما رواه محمّد بن ميمون ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه عليهم السلام ، قال : « قال أمير المؤمنين عليه السلام : ستدعون إلى سبّي فسبّوني ، وتدعون إلى البراءة منّي فمدّوا الرقاب ، فإنّي على الفطرة . » « 1 » والدقّة في متون تلك الروايات تؤكّد بأنّها ليست في مقام الفرق بين التعابير المستعملة عند الإكراه بأن يجوز بعضها إكراهاً وتقيّة ، ولا يجوز بعضها الآخر ، بل هي إشارة إلى واقعة تاريخيّة خاصّة وهي تلك التي أريد بها تكفير الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام من قبل بني أميّة ، ورميه بالخروج على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والتبرّي منه ومن دينه . فهو عليه السلام كان يقاوم ويناضل من أجل مقاومة هذه الفتنة ، ويصرّ على أنّ كلّ ظلم وتعدٍّ في حقّ لو كان جائزاً عند الإكراه والخشية على النفس والمال والولد ، فالتبرّي عن ديني وعنّي لا يجوز ، لأنّه يوجب تقوية المعتدي بمثل هذا التعدّي غير المشروع . أضف إلى ذلك أنّ تلك الروايات معارضة بروايات أخرى مثل : 1 - خبر مسعدة بن صدقة ، قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : إنّ الناس يروون أنّ عليّاً عليه السلام قال على منبر الكوفة : أيّها الناس ! إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي فلا تبرّءوا منّي . فقال : ما أكثر ما يكذب الناس على عليّ عليه السلام ، ثمّ قال : إنّما قال : إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي وإنّي لعلى دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يقل : ولا تبرّءوا منّي ، فقال له السائل : أرأيت إن اختار القتل دون البراءة ؟ فقال : واللَّه ما ذلك عليه ، وما له إلّا ما مضى عليه عمّار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكّة وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، فأنزل اللَّه عزّ وجلّ فيه : « إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ » ، فقال له

--> ( 1 ) - وسائل الشيعة ، الباب 29 من أبواب الأمر والنهي ، ح 8 ، ج 16 ، صص 227 و 228 .