السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

6

فقه الحدود والتعزيرات

جنائيّة ؛ بل إنّ عدّة منهم لم يدخلوا في الإسلام قطّ ولم يكن سبب قتلهم الارتداد أصلًا ، ولأجل ذلك قال الشيخ رحمه الله في المبسوط في ردّ بعض فقهاء العامّة حيث ذهبوا إلى قتل المرأة المرتدّة ، واستدلّوا لذلك بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لمّا فتح مكّة أمر بقتل مغنّيتين كانتا لأبي جهل تغنّيان بسبّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقتلتا ، بما هذا لفظه : « وهذا ليس بصحيح ، لأنّه صلى الله عليه وآله وسلم ما أمر بقتلهما للارتداد ، لأنّهما ما أسلمتا ، لكن لكفرهما والغناء بسبّه صلى الله عليه وآله وسلم . » « 1 » [ ارتداد جمع ممّن كان منتحلًا الإسلام في زمن الخلفاء الثلاثة ] أجل ، قد نقل ارتداد جمع ممّن كان منتحلًا الإسلام في زمن الخلفاء الثلاثة « 2 » ولكن في غالب تلك الموارد كان سبب الارتداد امتناع الأشخاص عن أداء الزكاة ، بل في الحقيقة لم يكن في منع الزكاة ارتداد أصلًا ، حيث إنّهم مع منعهم كانوا متمسّكين بالإسلام ، ولكن كان منعهم أداء الزكاة للشبهة في إيصالها إلى الولاة الموجودين في ذلك الزمان ؛ قال الشيخ الطوسيّ رحمه الله في هذا المجال : « أهل الردّة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ضربان : منهم قوم كفروا بعد إسلامهم ، مثل مسيلمة وطليحة والعنسيّ وأصحابهم ، وكانوا مرتدّين بالخروج من الملّة بلا خلاف . والضرب الثاني قوم منعوا الزكاة مع مقامهم على الإسلام وتمسّكهم به ، فسمّوا كلّهم أهل الردّة ، وهؤلاء ليسوا أهل ردّة عندنا وعند الأكثر . والردّة في اللغة : ترك حقّ كانوا مقيمين عليه متمسّكين به ، فكلّ من فعل هكذا فهو مرتدّ عنه ، فذلك الحقّ الذي ارتدّوا عنه ينقسم ؛ فمنه خروج عن الملّة بالكفر ، وهو ترك حقّ ، ومنه ترك حقّ مع المقام على الملّة ، كمنع الزكاة ونحو ذلك ، وقد بيّنّا أنّ ما يجري هذا المجرى لا يسمّى به مرتدّاً ، كما أنّ من وجب عليه الدين فمنعه مع المطالبة لا يسمّى مرتدّاً . وقال قوم : كانوا مرتدّين لأنّهم استحلّوا منع الزكاة ، ومن استحلّ متعمّداً منعها كفر ، وهذا ليس بصحيح ، لأنّا بيّنّا أنّهم ما استحلّوها وإنّما منعوها لشبهة . » « 3 »

--> ( 1 ) - المبسوط ، ج 7 ، ص 282 . ( 2 ) - راجع : كنز العمّال ، ج 1 ، صص 311 - 316 ، الأرقام 1466 إلى 1482 . ( 3 ) - المبسوط ، ج 7 ، صص 267 و 268 .