السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
40
فقه الحدود والتعزيرات
واستدلّ على ذلك أيضاً بأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حبس رجلًا اتّهم بسرقة بعير ، ولمّا ظهر فيما بعد أنّه لم يسرقه أخلى سبيله « 1 » ، بتقريب أنّ الحبس عقوبة تعزيريّة ، والعقوبة لا تكون إلّا عن جريمة وبعد ثبوتها ، فإذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد حبس الرجل لمجرّد الاتّهام ، فمعنى ذلك أنّه عاقبه على مجرّد التهمة . وبالجملة ، التعزير ليس أمراً عباديّاً تعبّديّاً محضاً شرّع لمصالح غيبيّة لا نعرفها ، بل الغرض منه هو تأديب الفاعل وردعه ، وكذا تزجير وتهديد كلّ من رأى وسمع ، فيصلح بذلك الفرد والمجتمع ، ولأجل ذلك فوّض تعيين حدوده ومقداره إلى الحاكم الشرعيّ المشرف على المجتمع . فلا إشكال حينئذٍ في تخويل الحاكم صلاحيّات خاصّة ، لأنّ قوّة الحاكم وقدرته على إجراء العقوبة ، حسب ما يقرّره الشرع الحنيف ، تعدّ عاملًا فعّالًا في تحقيق المصالح التي لا تحصل إلّا بسيادة النظام الحكوميّ . ولكنّ الشريعة لم تترك للحاكم الحرّيّة في تهديد التعزير على هذه الجرائم بما تشتهيه نفسه ، بل أوجبت أن يكون التعزير بحسب ما يقتضيه حال الجماعة وتنظيمها والدفاع عن مصالحها ونظامها العامّ ، وأن لا يكون مخالفاً لنصوص الشريعة ومبادئها العامّة ، حتّى لا يؤول الأمر بمن تسوّل له نفسه إلى التجاوز والظلم والاستبداد ، وقد قصدت الشريعة من إعطاء الحكّام حقّ التشريع في جرائم التعزير ، تمكينهم من تنظيم الجماعة وتوجيهها التوجيهات الصحيحة ، وتمكينهم من المحافظة على مصالح المجتمع والدفاع عنها ومعالجة الظروف الطارئة . ولا يخفى أنّ هذه المسألة من مهمّات المسائل التعزيريّة في عصرنا الحاضر . وهي على الرغم من أهمّيّتها ولكن بحدود اطّلاعي لم أجد من الإماميّة من تعرّض لها بالبحث
--> ( 1 ) - راجع في ذلك : التشريع الجنائيّ الإسلاميّ ، ج 1 ، صص 150 و 151 .