شمس الدين السخاوي
270
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع
ومداراته وظهرت في كله كمالاته مع عدم تهالكه على ذلك وتصديه لهذه المسالك بل هو مقبل على التكميل لنفسه والتحصيل الصارف له عن التكلم بحدسه حتى عرف بوفور الذكاء وقوة الحافظة والقدرة على التعبير بالألفاظ التي هي بالقانون العربي محافظة وجودة قراءته وطلاقته واستحضاره لنفائس من فنون الأدب والشعر والنكت والتاريخ ومزيد أدبه وتواضعه وصفائه واستجلابه لكل أحد ومزيد خدمته لأبيه وتمشية حال كثير ممن يعاديه عنده فمال إليه كل من استقام من الخاص والعام وكذا باشر مشيخة المدرسة الجمالية اليوسفية وغيرها بمكة وكان قارئ الحديث بين يدي أبيه فكان مع كونه مشتغلا بالقراءة مصغيا للمباحث بحيث يتكلم باليسير الواضح التصوير الغني عن طول التقرير . ولما كنت بمكة في سنة إحدى وسبعين رام والده حضوره عندي فما تيسر ثم حضه على ملازمتي ومساومتي في سنة ست وثمانين حتى حتى قرأ علي شرحي لألفية الحديث قراءة متقنة وأخذ عني غيرها وامتلأت عيني منه وتصورت تفرده بحمل العلوم عنه وكتبت له إجازة هائلة تزايد سرور أبيه بها أثبتها في موضع آخر ، وتصدى قبل ذلك وبعده للإقراء في الفقه والعربية والأصلين والمعاني والبيان والحديث بالمسجد الحرام وغيره وحضر عنده الأكابر ووردت علي مطالعات غير واحد منهم تخبر بما أعلم أزيد منه وكذا تكررت علي مشرفاته الدالة على مزيد التودد والتأدب المشتملة على العبارة الفائقة والإشارة الرائقة مع الخط النير المنسوب واللفظ الذي يملك به القلوب وهو بحمد الله في ترق من المحاسن إلى أن استقر عقب موت والده في القضاء استقلالا وفي مشيخة مدرسة السلطان وسائر ما كان معه فباشر ذلك أحسن مباشرة سيما في إقرائه الكشاف والروضة المتواترة وتحديثه بكتب الحديث مطولها ومختصرها سيما صحيح البخاري بأماكن من المسجد الشريف المتشرف به السامع والقاري حتى أطبق عليه الموافق والمخالف واتفق في الثناء على محاسنه القادم والعاكف ، وجاورت غير مرة بعد أبيه فما تحول عن آدابه وأياديه وإن كان في تعب كثير ونصب لما الوقت به جدير وله في تفرقة ما لعله يصل لمكة من المبرات والتوثقة المتوصل بها لجلب المسرات التصرف السديد والتلطف الذي يسترق به الأحرار فكيف بالعبيد حتى صار رئيس الرؤساء وجليس البرامكة والخلفاء زاده الله من أفضاله وأعاذه من كل سوء وبلغه نهاية آماله . ورأيته كتب في صفر سنة خمس وثمانين صدر إجازة لعلي بن الفخر أبي بكر المرشدي بما نصه : الحمد لله الذي نوع الفخر فجعل جلاله وكماله في فخر الدين