السيد محمد الحسيني الشيرازي

39

الفقه ، السلم والسلام

ويتضح ذلك بتصفح التاريخ وبملاحظة الكتب والقوانين المدونة ، فالدين الإسلامي على ما في القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء الواقعيين بعده من الأئمة الطاهرين عليهم السلام تدل على شمولية السلم والسلام في الإسلام حتى لسائر الأديان ، ويظهر جزء من ذلك في الاحتجاجات بين الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام وبين المشركين والملحدين ومن أشبه « 1 » . كما ترى في التاريخ الإسلامي كثيراً من حكام المسلمين - الذين لم يكونوا قساة على أنفسهم وعلى غيرهم - كانوا يعاملون اليهود والنصارى وأتباع سائر الأديان والمذاهب بالتسامح وإعطاء الحريات . مثلًا : ( كان اليهود قبل الفتح الإسلامي بالأندلس يرزحون تحت تعسف القوط ، وظلّوا على ذلك زمناً طويلًا إلى أن دخل المسلمون الأندلس فخلّصوهم من هذا الاضطهاد وسمحوا لهم بحرية طقوسهم وحرية العلم وحرية التجارة التي كانت محظورة عليهم من قبل ، وأباحوا لهم أن يمتلكوا بعد أن كانت الملكية محرّمة عليهم ، ولهذا نهضوا واشتهر بعضهم في العلم والأدب ، بعد أن استنشقوا نسيم الحرية ) « 2 » . يقول أحد الغربيين : ( وكان في الأندلس طبقة العبيد ورقيق الأرض فقد رحبوا بالمسلمين الفاتحين ، ليخلصوهم من قيود سادتهم القوط ، ثمّ اعتنق الكثير منهم الإسلام واستمتعوا في ظلال الحكم الإسلامي بحقوق مدنية كانت محظورة عليهم ، فصاروا يزرعون الأرض وينتفعون بثمراتها ويؤدّون عنها خراجها للدولة ، ولم يحدث أن أجبرت الدولة أحداً على أن يسلم ، ولقد استطاع النصارى أن ينهضوا بدينهم وينشروا مذهبهم ، وهم في رعاية المسلمين وفي حكمهم ، وفي العصر نفسه رسخت أقدامهم في مصر ، فإذا كانت الطوائف النصرانية الأخرى قد أخفقت في إظهار مثل هذا النشاط القوي ، فإن المسلمين ليسوا هم المسؤولون عن هذا الإخفاق ، إذ كانت الحكومة الإسلامية تعامل الطوائف المسيحية كلها على حد سواء ، وكانت تحمي

--> ( 1 ) انظر كتاب ( الاحتجاج ) للعلامة الطبرسي ( قدس سره ) . ( 2 ) للتفصيل راجع كتاب ( الكونت هنري كاست ري ) .