السيد محمد الحسيني الشيرازي

185

الفقه ، السلم والسلام

جمع المال والثروة وعدم الإنفاق في سبيل الله ، وبما أن هذه الرواية من الروايات المهمة في تاريخ المسلمين ولا بد من الوقوف عندها فيمكن استخلاص جملة من الموعظة والعبر منها : أولًا : هناك فرق شاسع بين منهج الحكام وسيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام فالحاكم يؤيد كلام كعب الأحبار وهو اكتناز الذهب والفضة بعد إخراج الزكاة وأن لا ضير في عدم الإنفاق في سبيل الله ، بينما علي أمير المؤمنين عليه السلام يقول : » لا ادخرت من غنائمها وفراً . . « « 1 » . وحتى لو قيل إن بعض الحكام كان يحث على الإنفاق في خطبه وكلماته ، لكن الكلام يختلف عن الفعل ، فإن العمل شيء صعب والقول شيء سهل ، فإذا نظر الإنسان إلى خطابات بعض من عاش في ذلك العهد ورأى خطابات أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي كان يتورّع أشدّ الورع ولم يختلف اثنان في عدله وزهده وورعه وإعراضه عن الدنيا ، ربما رأى الكلام من كليهما متساوياً في بعض الجهات لكن فرق العمل بينهما بعد المشرقين . فروي أن علياً عليه السلام اجتاز بقصاب وعنده لحم سمين فقال : يا أمير المؤمنين هذا اللحم سمين اشتري منه ، فقال عليه السلام له : » ليس الثمن حاضراً « ، فقال : أنا أصبر يا أمير المؤمنين ، فقال عليه السلام له : » أنا أصبر عن اللحم « « 2 » . بينما كانت تأتي إليه البيضاء والصفراء من مختلف بلاد الإسلام كافة والتي كانت تعدّ ذلك اليوم بحوالي خمسين دولة حسب خريطة اليوم ، لكنه كان يتورّع حتى عن أكل اللحم . وفي حديث آخر : كان يأكل اللحم في العام مرة واحدة يوم عيد الأضحى « 3 »

--> ( 1 ) نهج البلاغة : الرسائل 45 . ( 2 ) إرشاد القلوب : ج 1 ص 119 . ( 3 ) راجع مستدرك الوسائل : ج 16 ص 300 ح 19950 ، وفيه : في أعلام أمير المؤمنين عليه السلام : » واعلم أن إمامكم قد اكتفى بطمريه ، يسد فورة جوعه بقرصيه ، لا يطعم الفلذة في حوله إلا في سنة أضحية ، ولن تقدروا على ذلك فأعينوني بورع واجتهاد » .