السيد محمد الحسيني الشيرازي
120
الفقه ، السلم والسلام
وكذلك لولا الصراع والتنافس بين دول العالم في الجانب المادي لما حصل هذا التطور الذي تنعم فيه البشرية في المجالات المختلفة . إذ به تمكن الإنسان من الاكتشافات الغريبة ، ولم يقتصر في طموحه على اكتشاف أسرار الأرض من بحارها وجبالها وأنهارها وأعماقها ، بل شجعه البحث إلى اكتشافات جديدة في الكواكب الأخرى ، حتى وصل إلى المريخ بل يريد اليوم الوصول إلى سائر المجرات . ولا يقتصر هذا الوجه الإيجابي من هذا الصراع على الإنسان فقط ، بل يشترك معه حتى الحيوانات ، فالصراع بينها - كما في الأسد مثلا حينما يأكل الغزال ، والثعلب في أكله للدجاج - هو نوع من الجمال والتطور والبقاء في الحياة . ولا يكون هذا ظلماً في الأطر المقررة ، نعم إذا تجاوز الحدود فإنه ظلم ويقتص منه ، تقول الآية الكريمة : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ « 1 » . وقال الإمام علي عليه السلام في قوله عز وجل : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً « 2 » » فهو ميزان العدل يؤخذ به الخلائق يوم القيامة ، يدين الله تبارك وتعالى الخلائق بعضهم من بعض ويجزيهم بأعمالهم ويقتص للمظلوم من الظالم « « 3 » . وقد ورد في الأحاديث أن الله يقتص للعجماء من القرناء « 4 » . وأما ما كان لأجل الأكل وليس بظلم فيثيب المظلوم إن صح التعبير . وقد أكدت بعض الدراسات الحديثة على أن هذا الصراع هو الذي يوجب نمو هذه الحيوانات وكمالها ، وقد قام فريق من العلماء ببعض التجارب في هذا المجال وذلك حينما أخلوا جزيرة من الحيوانات المفترسة المؤذية وملئوها بالوعول والغزلان وما أشبه ذلك ، وبعد مدة رأوا ظهور الترهل على هذه الحيوانات وسقوطها عن الكمال والجمال .
--> ( 1 ) سورة التكوير : 5 . ( 2 ) سورة الأنبياء : 47 . ( 3 ) الاحتجاج : ج 1 ص 244 . ( 4 ) بحار الأنوار : ج 61 ص 4 .