السيد محمد الحسيني الشيرازي

504

الفقه ، الرأي العام والإعلام

الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم مارية القبطية « 1 » ، وقد عرفت الجيوش من قديم الزمان هذا اللون من الشائعات ، وكان قوّاد جنكيز خان قد استخدموا الشائعة لإظهار قواهم وإرهاب أعدائهم ، وكانوا يبعثون بالجواسيس للعمل في مراكز حسّاسة في قوّات العدو ، حيث كانوا يشيعون بأنّ جيش جنكيز خان كالجراد لا يمكن إحصاء عدد قوّاته « 2 » .

--> ( 1 ) مارية بنت شمعون القبطية من قرية حفن في مصر ، من أب قبطي وأم مسيحية . بعث بها المقوقس إلى الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله وسلم سنة 7 ه‍ وأختها سيرين بالإضافة إلى ألف مثقال ذهب وهدايا أخرى مع حاطب بن أبي بلتعة مبعوث الرسول إلى المقوقس . وعرض حاطب الإسلام على مارية فأسلمت مع أختها . فوطئها الرسول الأعظم بملك اليمين . وفي ذي الحجة سنة 8 ه‍ ولدت له إبراهيم . وعندما ولدت قال الرسول الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم : ( أعتقها ولدها ) . وبما أنّ مارية الوحيدة بين نساء الرسول التي حملت وأنجبت ، فقد تعرّضت للتهمة بشرفها من قبل البعض وعلى الخصوص عائشة بنت أبي بكر ، وقذفتها بأن ولدها ليس من الرسول ، وإنما من ابن عمها القبطي الذي كان يخدمها . فغضب الرسول من كلام عائشة وقال لعلي عليه السّلام : خذ سيفك يا علي وامض إلى بيت مارية ، فإن وجدت القبطي فاضرب عنقه . فقال علي عليه السّلام : إن تأمرني يا رسول اللّه بالأمر فأكون فيه كالسبيكة في ذات الوبر ، فأمضي لأمرك في القبطي أو يرى الشاهد ما لا يرى الغائب ؟ . فقال له الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم : بل يرى الشاهد ما لا يرى الغائب . فمضى علي عليه السّلام إلى بيت مارية فوجد القبطي فيها . فلمّا رأى السيف بيد علي صعد إلى نخلة الدار ، فهبّت ريح كشفت عن ثوبه فإذا هو ممسوح ليس له ما للرجال . فتركه علي وعاد إلى الرسول فأخبره ، ففرح الرسول وقال : الحمد للّه الذي نزهنا أهل البيت مما رمتنا به أشرار الناس من السوء . توفيت مارية في محرم سنة 16 ه‍ ودفنت في البقيع . وقد أشار القرآن الكريم إلى حادثة الإفك في سورة النور الآيات 11 - 17 . ( 2 ) إنّ الشائعات لعبت دورا في التاريخ ، فأدت مثلا إلى قتل سقراط من قبل السفسطائيين بتهمة تحريض الشباب في أثينا على التمرد والعصيان . وقامت الحروب في القرون الوسطى نتيجة للمغالاة في رواية قصص المعجزات والجرائم . وكان لها دور في التعبئة النفسية في أوروبا إبان الحروب الصليبية . كما أن عبيد اللّه بن زياد عندما دخل الكوفة متخفيا استخدم أسلوب إشاعة مجيء قوات من الشام لغزو العراق ، وعلى أهل الكوفة ان لا ينصروا سفير الإمام الحسين مسلم بن عقيل . وكان لهذه الإشاعة صدى مؤثرا في أهل الكوفة .