السيد محمد الحسيني الشيرازي
455
الفقه ، الرأي العام والإعلام
وضيّقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا ألّا نظلم عندك ، أيّها الملك فقد أنزل الله على نبينا كتابا نقرأه ، وفيه من كل خير وفضيلة وتنفير من كل شر وإثم وظلم . فقال النجاشي : هل معك ممّا جاء به رسولكم عن الله من شيء ؟ قال : نعم ، فقرأ عليه شطرا من سورة مريم ، فبكى النجاشي وأساقفته ، وقال : إنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا . ثم التفت النجاشي إلى رسل قريش قائلا لهم : والله لا أسلّمهم إليكما أبدا « 1 » . وبهذه الطريقة رجع الرسولان خائبين ، وكان كلام جعفر أوّل خطاب سياسي يلقيه دبلوماسي إسلامي ، وكان قد مهّد الطريق أمام إيمان النجاشي بالإسلام مع جميع أعوانه وأنصاره . وإذا تمعنّا في خطاب جعفر ، نجد كيف استطاع أن يقارن بين وضع العرب قبل وبعد الإسلام ، ثمّ كيف استثمر ذكر السيدة مريم عليها السّلام في القرآن الكريم ليبيّن مدى علاقة الإسلام بالدين المسيحي ، والإعلام الدبلوماسي في يومنا هذا يقوم بنفس الأسلوب ؛ حيث اللازم أن يقول الدبلوماسي قولا يرضي الدولتين ، ثمّ يبيّن الفرق بين ما يقول حالا وبين ما يقوله الدبلوماسي السابق . مثلا يقول الدبلوماسي للدولة المضيفة له : إنّا وأنتم نحترم حقوق الإنسان ونقول بالانتخابات الحرّة والمؤسّسات الدستورية والتعدّدية الحزبية وكفّ الظالم عن ظلمه سواء كان ظالما لرعيته أو ظالما لجيرانه وهذا ما نشترك فيه نحن وأنتم ، كما أنا في ظلّ الحكومة السابقة لم نكن نحسن إلى جيراننا
--> ( 1 ) لمزيد من التفصيل راجع السيرة النبوية لابن هشام : ج 1 ص 321 - 341 ط دار إحياء التراث العربي ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 6 ص 309 ، الكامل في التاريخ : ج 2 ص 81 .