السيد محمد حسين الطهراني

124

ولاية الفقيه في حكومة الإسلام

لا يقطعون اتّصالهم بالعامّة أبداً ، ولا يكون طريق وصولهم إلى العامّة من خلال الخاصّة ، ويحرصون على أن يكون طريقهم للعامّة مفتوحاً وقادرين على الاتّصال بهم . وإذا صدر أحياناً خطأ من بعض الخواصّ فيقومون بتحذيرهم ويحاولون إصلاح الخطأ ، وإن لم يكن الخطأ قابلًا للمعالجة ، فإنَّهم يطردون ذلك الشخص من مجلس استفتائهم أو من غرفة استقبالهم ، وأمثال ذلك ، ولا يسمحون لأنفسهم بأن يصبحوا ألعوبة لآراء أولئك وأهوائهم . والسبب الوحيد في هذا الخلل هو حسن الظنّ بالبعض من دون مبرّر ، فبعض الخواصّ والطلّاب والمحبّين والأقرباء يفسدون الإنسان أحياناً من خلال علاقتهم به ، ويغتالون فكره بالتدريج ، فهم يقصدون القيام بأعمال حسنة حسب اعتقادهم ويهدفون خدمة المجتمع والمسلمين ، ولكنَّ الأمر قد يكون بخلاف ذلك . ويكون هذا ظلماً في حقّ الناس دون أن ينتبه الفقيه شخصيّاً لذلك . وهذا خطر عظيم جدّاً ؛ ويشير إليه أمير المؤمنين عليه السلام في رسالته تلك لمالك الأشتر ويكشف سرّه . قصّة الرجل الكوفيّ وشكواه ظلم وإلى الكوفة عند المأمون أورد ابن أبي الحديد في « شرح نهج البلاغة » قصّة في شرح الخطبة ( 214 ) حول حقّ الوالي على الرعيّة وحقّ الرعيّة على الوالي ؛ ويقول : جاء أهل الكوفة إلى المأمون وتظلّموا من وإليهم ، فقال لهم المأمون : ما عَلِمْتُ في عُمَّالى أعْدَلَ وَلَا أقْوَمَ بِأمْرِ الرَّعيَّةِ ، وَلَا أعْوَدَ عَلَيْهِمْ بِالرِّفْقِ مِنْهُ . فَقالَ لَهُ مِنْهُمْ واحِدٌ : فَلا أحَدَ أوْلَى مِنْكَ يا أميرَ المُؤْمِنينَ بِالعَدْلِ وَالإنْصافِ ! وَإذا كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَمِنْ عَدْلِ أميرِ المُؤْمِنينَ أنْ يُوَلِّيَهُ بَلَداً بَلَداً حَتَّى يَلْحَقَ أهْلَ كُلِّ بَلَدٍ مِنْ عَدْلِهِ مِثْلُ ما لَحِقْنا مِنْهُ ، وَيَأخُذوا بِقِسْطِهِمْ مِنْهُ كَما أخَذَ مِنْهُ سِواهُمْ ؛ وَإذا فَعَلَ أميرُ المُؤْمِنينَ ذَلِكَ لَمْ يُصِبِ الكوفَةَ مِنْهُ أكْثَرَ مِنْ ثَلاثِ سِنينَ ! فَضَحِكَ وَعَزَلَهُ « 1 » .

--> ( 1 ) شرح « نهج البلاغة » لابن أبي الحديد ، ج 11 ، ص 99 .