السيد محمد حسين الطهراني

125

ولاية الفقيه في حكومة الإسلام

والقصّة ليست فكاهيّة ، بقدر ما هي حادثة واقعيّة . فعند ما نصب المأمون ذلك الوالي ربّما لم يكن يعلم واقعاً بأنَّه سوف يكون ظالماً ، وإنَّما كان يتوهّم أنَّه إنسان جيّد وعادل وصاحب حميّة إلى درجة كبيرة ، ولم يكن له من جهة أخرى اتّصال بأهل الكوفة لكي يطّلع على ممارساته وأعماله . وربّما كان هذا الوالي في بداية أمره شخصاً متديّناً وعادلًا أيضاً ، لكنَّ أصل الولاية ممّا يؤثّر في انحراف الإنسان ، وذلك الإحساس بحبّ الذات وحبّ النفس الذي يظهر في الوالي يجرّه إلى أوامر باطلة وتصرّفات في غير محلّها ؛ ولذا ، تصدر منه أعمال مخالفة للحقّ ويرتكب الظلم ، دون أن يحتمل المأمون صدور مخالفة منه بسبب اطمئنانه به . لذا ، فنفس المأمون مسؤول عن الظلم الذي حلّ بأهل الكوفة . وتمضي ثلاث سنوات أيضاً ، يتلظّى الناس المساكين خلالها في نار الظلم ، دون أن يهتدي أيّاً منهم إلي السبيل الذي يوصلهم إلي شخص الحاكم لشرح ما حلّ بهم « 1 » .

--> ( 1 ) - أورد السيّد عبد الحسين شرف الدين في كتابه « النصّ والاجتهاد » ص 342 ، الطبعة الثانية ، سنة 1380 ، ثلاث روايات كلّها جديرة بالاهتمام : الأولي : عن « صحيح البخاريّ » الورقة الأولي من كتاب الأحكام ، ج 4 ، ص 155 : روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال : مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَمُوتَ وَهُوَ غَاشٍّ لَهُمْ إلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ . ( وقد روي مسلم هذه الرواية في باب استحقاق الوالي الغاشّ لرعيّته ، ص 67 من الجزء الأوّل من صحيحه ) . الثانية : عن الإمام أحمد في الجزء الأوّل من مُسنده ، ص 6 من حديث أبي بكر : روي أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : مَنْ وَلِيَ مِنْ امُورِ المُسْلِمِينَ شَيْئاً فَأمَّرَ عَلَيْهِمْ أحَداً مُحَايَاةً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ ! لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلًا حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ . الثالثة : عن « صحيح البخاريّ » في نفس الورقة المذكورة ، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال : مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعِيَّتَهُ فَلَمْ يُحِطْهَا بِنَصِيحَةٍ إلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ . وقد ذكر السيّد عبد الحسين شرف الدين هذه الروايات الثلاث أيضاً عن مصادرها في كتاب « الفصول المهمّة » ص 118 و 119 ، الطبعة الخامسة .