الشيخ محمد حسن المظفر
22
دلائل الصدق لنهج الحق
بالشرع ، نسب إلى العقل والأخذ بالحزم . . لأنّ الأفعال القبيحة إذا كانت مستندة إليه تعالى جاز أن يعاقب المطيع ويثيب العاصي ، فيتعجّل المطيع بالتعب ولا تفيده طاعته إلَّا الخسران ، حيث جاز أن يعاقبه على امتثال أمره ويحصل في الآخرة بالعذاب الأليم السرمد والعقاب المؤبّد ، وجاز أن يثيب العاصي فيحصل بالربح في الدارين ، ويتخلَّص من المشقّة في المنزلتين ! ومنها : إنّه تعالى كلَّف المحال ؛ لأنّ الآثار كلَّها مستندة إليه تعالى ، ولا تأثير لقدرة العبد ألبتّة ، فجميع الأفعال غير مقدورة للعبد ، وقد كلَّف ببعضها فيكون قد كلَّف ما لا يطاق . وجوّزوا بهذا الاعتبار ، وباعتبار وقوع القبيح منه تعالى ، أن يكلَّف اللَّه تعالى العبد أن يخلق مثله تعالى ومثل نفسه ، وأن يعيد الموتى في الدنيا كآدم ونوح وغيرهما ، وأن يبلع جبل أبي قبيس [ 1 ] دفعة ، ويشرب ماء دجلة في جرعة ، وأنّه متى لم يفعل ذلك عذّبه بأنواع العذاب . فلينظر العاقل في نفسه : هل يجوز له أن ينسب ربّه تعالى وتقدّس إلى مثل هذه التكاليف الممتنعة ؟ ! وهل ينسب ظالم منّا إلى مثل هذا الظلم ؟ ! تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرا . ومنها : إنّه يلزم منه عدم العلم بنبوّة أحد من الأنبياء عليهم السّلام ؛ لأنّ دليل
--> [ 1 ] جبل أبي قبيس : هو اسم الجبل المشرف على مكَّة المكرّمة ، قيل : سمّي باسم رجل من مذحج كان يكنّى أبا قبيس ، وقيل : كنّاه النبيّ آدم عليه السّلام بذلك حين اقتبس منه هذه النار التي بأيدي الناس ، وكان في الجاهلية يسمّى « الأمين » لأنّ الحجر الأسود كان مستودعا فيه أيّام الطوفان . انظر : معجم البلدان 1 / 103 رقم 159 ، مراصد الاطَّلاع 3 / 1066 ، وانظر مادّة « قبس » في : لسان العرب 11 / 11 ، تاج العروس 8 / 405 .