السيد هاشم البحراني
46
حلية الأبرار
طالب : كلا إن شاء الله لم يكن الله ليضيعه . ثم خرجنا به إلى الشام ، فلما قربنا من الشام رأيت والله قصور الشامات كلها قد اهتزت ، وعلا منها نور أعظم من نور الشمس ، فلما توسطنا الشام ، ما قدرنا أن نجوز سوق الشام من كثرة ما ازدحم الناس وينظرون إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ، وذهب الخبر في جميع الشامات ، حتى ما بقي فيها حبر ولا راهب إلا اجتمع عليه . فجاء حبر عظيم ، كان اسمه نسطور ، فجلس حذاه ينظر إليه ولا يكلمه بشئ حتى فعل ذلك ثلاثة أيام متوالية ، فلما كانت الليلة الثالثة لم يصبر حتى قام إليه فدار خلفه كأنه يلتمس منه شيئا ، فقلت له : يا راهب كأنك تريد منه شيئا ؟ فقال أجل إني أريد منه شيئا ، ما اسمه عليه السلام ؟ قلت : محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ، فتغير والله لونه ، ثم قال : فترى أن تأمره أن يكشف لي عن ظهره لأنظر إليه ؟ فكشف عن ظهره ، فلما رأى الخاتم انكب عليه يقبله ويبكي . ثم قال : يا هذا أسرع برد هذا الغلام إلى موضعه الذي ولد فيه ، فإنك لو تدري كم عدو له في أرضنا لم تكن بالذي تقدمه معك ، فلم يزل يتعاهده في كل يوم ويحمل إليه الطعام ، فلما خرجنا منها أتاه بقميص من عنده ، فقال له : ترى أن تلبس هذا القميص لتذكرني ( 1 ) به ؟ فلم يقبله ورأيته كارها لذلك ، فأخذت أنا القميص مخافة أن يغتم وقلت : أنا ألبسه ، وعجلت به حتى رددته إلى مكة ، فوالله ما بقي بمكة يومئذ امرأة ، ولا كهل ولا شاب ، ولا صغير ، ولا كبير إلا استقبلوه شوقا إليه ما خلا أبا جهل ( 2 ) لعنه الله فإنه كان فاتكا ( 3 )
--> ( 1 ) في المصدر : فقال لي : أترى أن يلبس هذا القميص ليذكرني به . ( 2 ) أبو جهل : عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي كان أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وآله وقتل في وقعة بدر الكبرى سنة ( 2 ) . ( 3 ) الفاتك : الجرئ على ما هم من الأمور وما دعته النفس إليه .