ميرزا محمد حسن الآشتياني

51

كتاب القضاء ( ط . ج )

الحاكم والمحكوم عليه ، لا ما كان حقّاً عند الحاكم ، باطلًا عند المحكوم عليه . والدليل على ما قلنا مع أنّ مقتضى القاعدة هو مراعاة اعتقاد الحاكم فقط حيث إنّ الطريق إلى متعلّق الخطاب هو اعتقاد من خوطب به إمّا انصراف الآيات إلى ذلك وظهورها فيما إذا كانت حقيّة المحكوم به معلومة محقّقة معروفة عند الحاكم والمحكوم عليه ، فتأمّل . أو أنّه لو لم يكن المراد ذلك ، بل كان المراد ظاهره أي الحقّ عند الحاكم ، لَما وجب قبوله على المحكوم عليه ، حيث إنّه مخاطب أيضاً بعدم قبول الحكم الباطل وحكم الجاهليّة والشيطان ، والمفروض أنّه بعد ما كان اعتقاده مخالفاً لاعتقاد الحاكم يعتقد كون حكمه باطلًا يجب ردّه ، فلا بدّ من أن يكون المراد من الحقّ في المقام هو ما ثبت حقيّته عند الطرفين أي ما كان مقتضى تكليف المحكوم عليه أيضاً . فإن شئت قلت : إنّه كما يجب على الحكام الحكم بالحق ويكون الطريق لهم إليه اعتقادهم ، كذلك يجب على غيرهم الالتزام بالحكم بالحق وعدم قبول ما كان باطلًا ، ومن المعلوم أنّ الطريق إلى إحراز الحقّ في هذا الخطاب اعتقاد المترافعين فإنّهم مأمورون بالرجوع إلى من كان عارفاً بأحكام اللَّه وعالماً بها ولا يتنجّز هذا الخطاب في حقّهم إلّا بعد علمهم بكون المرجع حقاً . فإن قلت : إنّه لا داعي إلى صرف الآيات عن ظاهرها بعد ما كانت قضيّة ظاهرها هي كفاية الحقّية عند الحاكم نظراً إلى القاعدة المذكورة ، وما ذكر من أنّ الدّاعي إليه هو لزوم التعارض فممنوع فإنّه بعد ما وجب على الحاكم الحكم بالحقّ عنده لزم قبوله على المحكوم عليه وإلّا لزم لغويّته . وهذا باب واسع يدخلونه في كثير من المقامات كما ذكروه في آية الكتمان « 1 » والنَّفر « 2 » وغيرهما .

--> ( 1 ) وهو قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ » البقرة ( 2 ) : 159 . راجع : عوائد الأيام للمحقق النّراقي : 195 ؛ مستمسك العروة : 1 / 76 . ( 2 ) وهو قوله تعالى : « فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » التوبة ( 9 ) : 122 .