الشيخ الأنصاري

مقدمة 127

كتاب المكاسب ( المحشَّى )

بين الأضداد ، إذ تراه مدرسا في الحوزة حاملا ثقلها وعبأها على ظهره وهو يفيض عليهم كالسيل كأن ليس له عمل سوى الدراسة . وتراه يدير شؤون المرجعية الكبرى فيأخذ الحقوق ويقسمها على مستحقيها ويصرف الباقي في المشاريع الخيرية وسبلها بغير مساعد ومعين ، مع ما لهذه العملية الجبارة الشاقة من استفراغ الوقت . وتراه يجيب عن الاستفتاءات الواردة عليه من أصقاع البلاد . وتراه يراجع العلماء ، ورواد العلم ، ويعود المرضى ، وفي الوقت نفسه تراه يؤلف الكتب هذه الكتب الثمينة التي عكف عليها الفطاحل وأصبحت منذ أن برزت من قلمه الشريف إلى يومنا هذا ، وإلى الأجيال الآتية : من الكتب الدراسية الرسمية فهي الوحيدة في بابها لم يسبقه الأوائل في الاتيان بمثلها ، وكل من جاء بعده فمن علمه استفاد ، ومن بحر فيضه اغترف . وتراه بالإضافة إلى هذه كلها : عابدا ناسكا خاشعا متواضعا ، خائفا من خشية اللّه ، زاهدا قانعا بالقليل من حطام الدنيا ، يأكل الجشب ، ويلبس الخشن . وتراه مكبا على النوافل كأن ليس له شغل عداها . أجل : إن هذه الأمور يتنافى بعضها مع بعض . فهذه الموفقية الجبارة ليست إلا عناية إلهية يخص بها من يشاء من عباده الأبرار ، المصطفين الأخيار ، وهو القائل جل شأنه : والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا . فسبحان من أعطى له هذه الملكة الملكوتية ، والنفسية القدسية .