المحقق النراقي

23

الحاشية على الروضة البهية

الملاقاة الكثرة ودوام النبع ، لا في صدق الجاري ، فلا تغفل ، إلّا أن يقال : إنّ الجاري في عرفهم ما كان حكمه مخالفا للواقف دون ما يصدق عليه الاسم عرفا ، فيتفاوت تعريفه بتفاوت الحكم ، فلا يكون غير دائم النبع ، أو القليل جاريا عند مشترط الدوام والكثرة ، وهو بعيد . وقد يجعل قوله : « على المشهور » قيدا لقوله : « غير البئر » ؛ لأنّ غير المشهور أنّ البئر لا ينجس بمجرّد الملاقاة ويطهر بمجرّد زوال التغيّر . وفيه ما مر من أنّ عدم التنجّس بالملاقاة والطهر بالزوال لا يوجب صدق الجاري . أو لأنّ غير المشهور في البئر لمّا كان هو عدم التنجّس بالملاقاة والطهر بالزوال ، فيكون هو أيضا ماء جاريا ، فلا وجه لإخراجه عنه ؛ لاتحاد حكمهما . وفيه : أنّ القائل بعدم تنجّس البئر بالملاقاة وطهره بالزوال يقول باستحباب النزح في النجاسات المعيّنة ، وليس ذلك مستحبّا في الماء الجاري عنده ، فيختلف حكمهما ، ويفترق عن الجاري أيضا ، على أنّ اتحاد الحكم لا يوجب صدق الاسم . وقوله : واعتبر المصنّف إلى آخره . الضمير المجرور راجع إلى التطهير المدلول عليه بقوله : « ويطهر » ، أو إلى الحكم المذكور ، أو إلى الجاري أي : اعتبر في الجاري من حيث تعلّق الحكم المذكور به ، أو من حيث إطلاق الجاري عليه ، ولكن هذا إنّما هو على الاحتمال البعيد المتقدّم . هذا ، ثمّ إنّه تبع المصنّف في هذا الشرط جمال الدين أحمد بن فهد في موجزه . وقد ذكروا في بيان المراد بدوام النبع وجوها ثلاثة : أحدها : ما ذكره الشارح في روض الجنان وهو : أنّ المراد بدوام النبع عدم الانقطاع في أثناء الزمان ككثير من المياه التي تخرج زمن الشتاء وتجفّ في الصيف . ولا يخفى أنّ هذا المعنى وإن كان أربط باللفظ والأقرب إليه لكونه المتبادر منه عرفا ، لكنّه ممّا يقطع بفساده . أمّا أوّلا ؛ فلأنّه لا شاهد له من الأخبار ولا يساعده الاعتبار ، فهو تخصيص بلا مخصّص . وأمّا ثانيا ؛ فلأنّ الدوام بالمعنى المذكور إن أريد به ما يعم الزمان كلّه ، فلا ريب في بطلانه ؛ إذ لا سبيل إلى العلم به وإن خصّ ببعضها ، فهو مجرّد الحكم . ( كذا )